من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
محمد بن محمد بن عبد الرحمن بن يوسف، ركن الدين، أبو عبد الله، ابن القوبع القرشي، الهاشمي، الجعفري، المالكي، التونسي
الإمام، العلاّمة، المتقن، جامع أشتات الفضائل.
لبيب مبصر، لا يخاف منه التخبيط، وطبيب مكثر لا يؤتى عليه من التخليط، أتقن العلم إتقانا، ودرب العمل إذ كان لا يغبّ له إتيانا. هذا إلى فضل متّسع، وسبق وراه كل متّبع.
جدّ في الطلب حتى كان جذيله المحكّك، وعذيقه المرجّب لا يشكّك.
وكان حين وخط المشيب عارضه، وأسكت معارضه، أشدّ مما كان عارضة، وأشدّ معارضة. فلم يمتدّ معه لمجادل نفس، ولا رفع رأسه نحو مناظر إلا نكس لثاقب فكرة حطّ عنها قناعها، وكثر لكل قريع الحزم قراعها، فتقهقر كل متقدّم عن مكانه، وعلم أن دونه ما في إمكانه.
لم أر له نظيرا في مجموعه وإتقانه، واستحضاره، واطّلاعه.
كان مجيدا في الأصول، والحديث، والفقه، والأدب، واللغة، والنحو، والعروض، وأسماء الرجال، والتاريخ، والشعر. يحفظ للعرب، والمولّدين، والمتأخرين.
غاية في الطب والحكمة، ومعرفة الخطوط - خصوصا خطوط المغاربة - قد مهر في ذلك وبرع، وإذا تحدّث الناس في شيء من ذلك كله، تكلّم على دقائقه وغوامضه، ونكته، حتى يظنّ سامعه إنما أفنى عمره في ذلك الفن!.
قال شيخنا العلاّمة قاضي القضاة أبو الحسن السبكي - وهو ما هو -: ما أعرف أحدا مثل الشيخ ركن الدين. أو كما قال. وقد رأى جماعة ما أتى الزمان لهم بنظير بعدهم مثل الشيخ.
وحكى أبو الفتح ابن سيد الناس: أنه لما قدم إلى الديار المصرية وهو شابّ، حضر سوق الكتب، وابن النحاس شيخ العربية حاضر، وكان مع المنادي ديوان ابن هانئ المغربي، فأخذه الشيخ ركن الدين، وأخذ يترنّم بقول ابن هانيء:
فتكات لحظك أم سيوف أبيكوكؤوس خمرك أم مراشف فيك
وكسر التاء، وفتح الفاء والسين والفاء، فالتفت إليه ابن النحاس، وقال له: ما ذا إلا نصب كثير.
فقال له الشيخ ركن الدين - بتلك الحدة المعروفة منه والنفرة -: أنا ما أعرف الذي تريده أنت من رفع هذه الأشياء، على أنها أخبار لمبتدآت مقدّرة، أي: أهذه فتكات لحظك، أم كذا، أم كذا؟. وأنا الذي أقوله أغزل وأمدح، وتقديره: أأقاسي فتكات لحظك، أم أقاسي سيوف أبيك، وأرشف كؤوس خمرك، أم مراشف فيك. فأخجل ابن النحاس، وقال: يا مولانا! فلم لا تتصدّر وتشغل الناس؟.
فقال - استخفافا بالنحو، واحتقارا له -: وأيش هو النحو في الدنيا؟. أو كما قال.
وحكى أيضا قال: كنت أنا و [شمس الدين ابن] الأكفاني، نأخذ عليه في "المباحث المشرقية"، فأبيت ليلتي أفكر في الدرس الذي نصبح نأخذه عنه، وأجهد قريحتي، وأعمل بعقلي وفهمي إلى أن يظهر لي فيه شيء أجزم بأن المراد به هذا، فإذا تكلّم الشيخ ركن الدين كنت أنا في واد وهو في واد!؛ أو كما قال.
وحكى المراكشي قال: قال لي الشيخ ركن الدين: لما أوقفني ابن سيد الناس على "السيرة" التي عملها علّمت فيها على مائة وأربعين موضعا، أو مائة وعشرين - السهو مني - أو كما قال. ولقد رأيته مرات يواقف ابن سيد الناس في أسماء الرجال، ويكشف عليها، فيظهر معه الصواب.
قال أبو الصفاء: "وكنت يوما أنا وهو عند ابن سيد الناس، فقال: قال
الشيخ تقي الدين ابن تيمية: عمل ابن الخطيب أصولا في الدين. الأصول:
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، ﴿قُلْ هُوَ اَللّهُ أَحَدٌ، اَللّهُ اَلصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ، وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ فنفر الشيخ ركن الدين، وقال له: يا عرّة! عمل الناس وصنعوا وأفكروا فيك، ونهض قائما، وولى مغضبا.
قال: " وأخبرني الشيخ فتح الدين قال: جاء إليه إنسان يصحّح عليه في "أمالي القالي" فأخذ الشيخ ركن الدين يسابقه إلى ألفاظ الكتاب، فبهت ذلك الرجل، فقال: لي نحو عشرين سنة ما كرّرت عليها".
وكان إذا أنشده أحد شيئا في أي معنى كان أنشد فيه جملة للمتقدّمين والمتأخرين، كأنه كان يكرر عليه تلك الليلة! ".
وتولى "نيابة الحكم" للقاضي المالكي بالقاهرة، ثم تركها تديّنا منه.
وقال: يتعذّر فيها براءة الذمة. وكانت سيرته فيها حسنة مرضيّة. وكان يدرّس في "المدرسة المنكدمرية" بالقاهرة، ويدرّس الطب بالبيمارستان المنصوري، وينام أول الليل، ثم يستفيق وقد أخذ راحة، وقد أخذ كتاب "الشفاء" لابن سينا ينظر فيه، لا يكاد يخلّ بذلك.
قال الشيخ فتح الدين: "قلت له يوما: يا شيخ ركن الدين! إلى متى تنظر في هذا الكتاب؟. فقال: إنما أريد أهتدي".
وكان فيه سآمة وملل حتى في لعب الشطرنج، يكون في وسط الدست وقد نفضه وقطع لذة صاحبه، ويقول: سئمت سئمت. وكذلك في بعض الأوقات [يكون] في بحث وقد حرّر لك المسألة، وكادت تنضج، فيترك الكلام ويمضي!.
وكان حسن التودّد يتودّد إلى الناس ويهنّيهم بالشهور والمواسم من غير حاجة إلى أحد، لأنه كان معه مال له صورة ما يقارب الخمسين ألف درهم.
وكان يتصدّق سرا على أناس مخصوصين، [وكان مع هذه العلوم] لثغته بالراء قبيحة، يجعلها همزة!.
وكان إذا رأى أحدا يضر كلبا أو يؤذيه يخاصمه وينهره، ويقول له: لم تفعل هذا؟ أما هو شريكك في الحيوانية؟.
وكان خطه على وضع المغاربة، وليس بحسن.
وسمع بدمشق سنة إحدى وتسعين وستمائة على المسند تقي الدين ابن
الواسطي، واستجزته سنة ثمان وعشرين وسبعمائة، بالقاهرة، باستدعاء فيه نثر ونظم، فأجاب وأجاز، وأجاد نثرا ونظما.
أنشدني لنفسه إجازة:
جوى يتلظّى في الفؤاد استعارهودمع هتون لا يكف انهماره
يحاول هذا برد ذاك بصوبهوليس بماء العين تطفا ناره
ولوعا بمن حاز الجمال بأسرهفحاز الفؤاد المستهام إساره
كلفت به بدريّ ما فوق طوقهودعصيّ ما يثني عليه إزاره
غزال له صدري كناس ومرتعومن حب قلبي شيحه وعراره
[من السمر يبدي عدمي الصبر خدهإذا ما بدا ياقوته ونضاره]
جرى سابحا ماء الشباب بروضهفأزهر فيه ورده وبهاره
يشبّ ضراما في حشاي نعيمهفيبدو بأنفاس الصعاد شراره
وينثر دمعي منه نظم مؤشّركنور الأقاحي حفّه جلّناره
يعلّ بعذب من برود رضابهتفاوح فيه مسكه وعقاره
ويسهد أجفاني بوسنان أدعجيحيّر فكري غنجه واحوراره
حكاني ضعفا أو حكى منه موثقاوخصرا نحيلا عال صبري اختصاره
معنّى بردف لا ينوء بثقلهفيا شدّ ما يلقى من الجار جاره
على أن ذا مثر وذلك معسرومن محنتي إعساره وإيساره
تألّف من هذا وذا غصن بانهتوافت به أزهاره وثماره
تجمع فيه كل حسن مفرقفصار له قطبا عليه مداره
زلال ولكن أين مني ورودهوغصن ولكن أين مني اهتصاره؟
وسلسال راح صدّ عني كاسهوغودر عندي سكره وغماره
دنا ونأى فالدار غير بعيدةولكنّ بعدا صدّه ونفاره
وحين درى إن شدّ أسري حبّهأحلّ بي البلوى وساء اقتداره
ومنها:
حكت ليلتي من فقدي النوم يومهاكما قد حكى ليلي ظلاما نهاره
كتمت الهوى لكن بدمعي وزفرتيوسقمي تساوى سره وجهاره
ثلاث سجلات عليّ بأننيأمام غرام قلّ فيك استتاره
أورّي بنظمي في العذار وتارةبمن إن تفنّى القرط أسفى سواره
وجلّ الذي أهوى عن الحلي زينةولمّا يقارب أن يدب عذاره
أراحة نفسي كيف منك عذابهاوجنة قلبي كيف منك استعاره؟
وتوفي الشيخ ركن الدين المذكور - بالقاهرة، في تاسع ذي الحجة، سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة، واعتلّ يومين ومضى إلى رحمة ربه الرحيم، ومولده
سنة أربع وستين، بتونس.
وله من التصانيف التي دوّنها: " تفسير سورة ق "، في مجلّدة. ولما تولى الإعادة في المدرسة الناصرية عمل درسا في قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً﴾، وعلّق عليه ما أملاه في ذلك.
وكان - رحمه الله تعالى - قد قرأ النحو: على يحيى بن الفرج بن زيتون. والأصول: على محمد بن عبد الرحمن قاضي تونس.
وقدم مصر عام تسعين وسمع بدمشق من ابن الواسطي، وابن القواس، وبحماة من [المحدّث] ابن مزيز.
ومنهم:
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع