من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
ماسويه أبو يوحنا
دخل على الملك من بابه، وتوصّل إلى الفلك بأسبابه، وانتقل من خاصّة الكحل، إلى عامة تدبير الجسد، وتقرير إصلاح ما فسد. ثم لم يزل في مزيد في الصناعة، وتجديد ما ينمي مكاسب البضاعة، إلى أن صار لا يمترى في نفاقه، ولا
يمتار إلا من فواضل أسواقه، ولا يتطبّب عليل بألطف من شمائل أخلاقه.
ذكره الترجمان كيف تنقّل وآخر أمره أنه عالج عين خادم الفضل بن الربيع، فشكا الفضل عينه، فأوصله إليه، فلم يزل يكحّله إلى ثلث الليل، ثم سقاه دواء مسهلا فصلح به، فأجرى عليه رزقا.
فما مضت إلا أيام حتى اشتكت عين الرشيد. فقال له الفضل: يا أمير المؤمنين! طبيبي ماسويه من أحذق الناس بالكحل.
فأمر بإحضاره ثم قال له: هل تحسن شيئا من الطب سوى الكحل؟.
فقال: نعم يا أمير المؤمنين!، وكيف لا أحسن وقد خدمت المرضى بالبيمارستان؟!.
فأدناه منه، فنظر في عينيه، فحجمه في ساقيه، وقطر في عينيه، فبرأ بعد يومين، فأمر بأن يجرى عليه في الشهر ألفا درهم، وعلوفه، ومعونته في السنة عشرون ألف درهم.
ثم اعتلّت أخت الرشيد. فعالجها جبرئيل بأنواع العلاج فلم تنتفع، فاغتمّ بها، فقال الرشيد ذات يوم: قد كان ماسويه ذكر أنه خدم المرضى بالمارستان،
وعالج الطبايع، فليدخل إلى عليلتنا لعلّ عنده فرجا؟.
فأحضر جبرائيل وماسويه، فقال له ماسويه: عرّفني حالها، وجميع ما دبّرتها به إلى وقتنا هذا؟.
فقصّ عليه. فقال ماسويه: التدبير صالح، والعلاج مستقيم، ولكن أحتاج إلى أن أراها.
فأمر الرشيد بأن يدخل إليها. فلما تأمّلها، وجسّ عرقها بحضرة الرشيد، وخرجوا من عندها.
وقال ماسويه للرشيد: يكون لك طول العمر والبقاء!. هذه تقضي بعد غد ما بين ثلاث ساعات إلى نصف الليل.
فقال جبرائيل: كذب يا أمير المؤمنين!، إنها تبرأ وتعيش.
فأمر الرشيد بحبس ماسويه ليسبر ما قاله. وقال: ما رأينا بعلم الشيخ بأسا.
فلما كان الوقت الذي وقّته ماسويه ماتت. فأمر الرشيد بإخراجه، وصيّره نظير جبرائيل في رزقه، ونزله، وعلوفته، ومعونته، ومرتّبه، ومرتبته.
ومنهم:
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع