تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

أبو القاسم هبة الله بن الفضل البغدادي

علم طب وبيان، وإمام فضل ملء سمع وعيان، فأتى بما غلا، ومات مديحا وغزلا، وجاء بضريب الضرب، وغريب الحكمة التي … اليونان وألسنة العرب، وكان الطب عليه أغلب، والسبب إليه أجلب، فكان به ارتفاقه، ومنه

إنفاقه، وكان له هجو يجرّع المهجوّ سمّ الأساود، وسقما كلما قيل برأ منه يعاود.

هذا إلى ملح أظرف من غرائب البحار، وألطف من النسيم، إذا عبث بأعطاف الأشجار.

قال ابن أبي أصيبعة: " كان يعاني صناعة الطب، ويباشر أعمالها، ويعدّ من الموصوفين فيها، إلا أن الشعر غلب عليه، وكان كثير النوادر وبينه وبين الحيص بيص شنآن وتهاتر، وكانا قد يصطلحان وقتا، ثم يعودان إلى ما كانا عليه، وهو الذي ألصق بالحيص بيص هذا اللقب، وذلك لأن السلطان السلجوقي لما قصد بغداد في أيام المقتفي، وهمّ عسكرها بالخروج إليه، وكان الناس من ذلك في حديث كثير وحركة زائدة، فقال: ما لي أرى الناس في حيص بيص؟.

فألصق به هذا اللقب.

قلت: كان الحيص بيص على ما هو منه معروف؛ فخرج يتمشّى ليلا حيث لا يقدم إلا الأبطال، ولا يمشي إلا من قصر عنده باع الخوف وطال، فمرّ بكلبة

مجرية، رآها فما خافها، وهي تسطو بأنياب وأظفار، وتهول مثل الليل بلا أسفار؛ فنبحت عليه نباحا ظنّ به أن الجبال عليه قد أطبقت، أو الجيوش به قد أحدقت، فامتشق سيفه وخطا إليها وقدّم قدمه، وأقدم عليها، ثم دهش للخوف من بأسها، فأضلّها، وإنما أصاب بالسيف جروا لها.

فقال أبو القاسم:

يا معشر النّاس إن الحيص بيص أتىبفعلة أورثته الخزي في البلد
هو الجبان الذي أبدى شجاعتهعلى جريّ ضعيف البطش والجلد
فأنشدت أمه من بعد ما احتسبت:دم الأبيلق عند الواحد الصّمد
أقول للنفس تأساء وتعزيةإحدى يديّ أصابتني ولم ترد
كلاهما خلف من فقد صاحبههذا أخي حين أدعوه، وذا ولدي
للشاعر ابن الفضل القطان، اقرأ القصيدة

وكان المقتفي حين بويع شيخا قد علت سنّه واحد ودب غصنه، ووزيره ابن الهبيرة من علم زهاده، ومداومة درس، وعباده. وكان أبو القاسم يستطيل مدتهما، ويكره بأسهما الذي لا يلين، وشدّتهما؛ فجلس يوما المقتفي وابن هبيرة واقف أمامه، ومصرف زمانه هذا، وقد استثقل أبو القاسم طول ايامهما، وامتداد دوامهما، فقال:

يا معشر الناس!، النفير النفيرقد جلس الهردب فوق السرير
وصار فينا آمرا ناهياوكنت أرجو أنه لا يصير
فكلّما قلت: قذى ينجليوظلمة عما قليل تنير
فتحت عيني فإذا الدولةالدولة والشيخ الوزير الوزير

وقال يهجو البديع الأسطرلابي، وكان قد حجّ:

لا غرو أن دهى الحجيجوإن رموا منه بنكبة
حج البديع وعرسهوفتاه فانظر أي عصبه؟
فثلاثة من منزلعلق، وقوّاد، وقحبه!

وقال:

يا خائف الهجو على نفسهكن في أمان الله من مسّه
أنت بهذا العرض بين الورىمثل الخرا يمنع من نفسه!!

وقال:

أمدحه طورا، وأهذي بهطورا، ولا أطمع في رفده
مثل إمام بين أهل القرىصلّى بهم والزيت من عنده!

وأورد له ابن سعيد، ومن ذا الذي يسمع الحسن ولا يستعيد؟، وذلك قوله:

خطرت فكاد الورق يسجع فوقهاإن الحمام لمغرم بالبان
للشاعر أَبُو الفَضْل الدَّارمي، من قصيدة «خَطَرتْ فكادَ الوُرقُ يَسْجعُ فوْقها»
من معشر نشروا على هام الربىللطارقين ذوائب النيران
للشاعر محمد بن حيدر البغدادي، من قصيدة «خطرت فكاد الورق يسجع فوقها»

ومنهم:

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.