تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

أمين الدولة ابن التلميذ

كان فرد قرانه، وندّ أقرانه، وبلغ بعلمه مبالغ الأشراف، ووصل في فهمه إلى حدّ الإشراف، وكان يتكلّم في مجالس الخلفاء متبسّطا، ويتقدّم في مجال السؤال للضعفاء متوسّطا، لسابقة خدمه، وباسقة صنعه في بيت الإمامة دون باقي خدمه، ولما تحلّت به شيمه من مآثر، وحلت باديه مما لا يقدر عليه مكاثر، حتى كان يناظر جلّة الفقهاء، وجملة أهل العلم سوى السفهاء، ويفترس الأدباء، ويفترش لمواطيه الأطباء، ويضرب بقلمه عصا ابن البوّاب، ويطرف طرف

طرسه مقلة ابن مقلة، وهو على دينه المخالف، وتعود ملته في الخوالف، يكره الصدور، وتخبر خبره البدور.

قال ابن أبي أصيبعة: " هو الأجلّ موفق الملك أمين الدولة أبو الحسن هبة الله بن أبي العلاء صاعد بن إبراهيم بن التلميذ، أوحد زمانه في صناعة الطب، ومباشرة أعمالها، وكان في أول أمره قد سافر إلى بلاد العجم، وبقي بها سنين كثيرة في الخدمة، وكان جيّد الخطّ، يكتب المنسوب في نهاية الحسن والصّحّة، وكان عارفا بالسرياني والفارسي، متبحّرا في العربية، وله شعر مستظرف، وهو من بيت كتابة، وكان هو وأوحد الزمان [أبو البركات] يخدمان المستضيء، وكان أوحد الزمان أبصر بالحكمة، وابن التلميذ أبصر بالطب، وكان بينهما شنآن، إلا أن ابن التلميذ كان أعقلهما، وخيرهما فعلا، وسعى أوحد الزمان عليه حتى كاد يرديه، ثم رد عليه كيده فوهب ماله ودمه لابن التلميذ، فعفا

عنه. وإن مما قال فيه:

لنا صديق يهودي حماقتهإذا تكلم تبدو فيه من فيه
للشاعر ابن التلميذ، اقرأ القصيدة
يتيه والكلب أعلى منه منزلةكأنه بعد لم يخرج من التيه
للشاعر ابن التلميذ، اقرأ القصيدة

وقد قيل فيهما:

أبو الحسن الطبيب ومقتفيهأبو البركات في طرفي نقيض
للشاعر البديع الإسطرلابي، اقرأ القصيدة
فهذا بالتواضع في الثرياوهذا بالتكبر في الحضيض

قال عبد اللطيف البغدادي: "كان أمين الدولة حسن العشرة كريم الأخلاق، وعنده سخاء ومروءة، وأعمال في الطب مشهورة، وحدوس صائبة، منها: أنه أحضرت إليه امرأة محمولة لا يعرف أهلها في الحياة هي أم في الممات؟ وكان الزمان شتاء، فأمر بتجريدها، وصب الماء المبّرد عليها صبا متتابعا كثيرا، ثم بنقلها إلى مجلس دافئ قد بخّر بالعود والنّدّ، ودثّرت بأصناف الفراء ساعة، فعطست وقعدت، وخرجت ماشية مع أهلها إلى منزلها".

قال: "ودخل إليه رجل مترف، يعرق دما في زمن الصيف، فسأل تلاميذه وكانوا خمسين نفسا، فلم يعرفوا المرض. فأمره أن يأكل خبز شعير مع باذنجان مشوي. ففعل ذلك ثلاثة أيام، فبرأ، فسأله أصحابه عن العلة؟ فقال: إن دمه قد رقّ، ومسامّه قد تفتّحت، وهذا الدواء من شأنه تغليظ الدم، وتكثيف المسام".

قال: "ومن مروءته أن ظهر داره كان يلي النظامية، فإذا مرض فقيه نقله إليه، وقام في مرضه عليه، فإذا برأ وهب له دينارين وصرفه".

ومما حكاه أيضا عن أمين الدولة، وكان قد تجاوز في هذه الحكاية، قال: " وكان أمين الدولة لا يقبل عطية إلا من خليفة أو سلطان، فعرض لبعض الملوك

النائية داره مرض مزمن، فقيل له: ليس لك إلا ابن التلميذ. وهو لا يقصد أحدا.

فقال: أنا أتوجّه إليه!. فلما وصل أفرد له ولغلمانه دورا وأفاض عليه من الجرايات قدر الكفاية، ولبث مدة، فبرئ الملك وتوجّه إلى بلاده وأرسل إليه مع بعض التجار أربعة آلاف دينار، وأربعة تخوت عتابي، وأربعة مماليك، وأربعة أفراس، فامتنع من قبولها، وقال: إن عليّ يمينا لا أقبل من أحد شيئا. فقال التاجر: هذا مقدار كثير. قال: لما حلفت ما استثنيت. وأقام شهرا يراوده ولا يزداد إلا إباء.

فقال له عند الوداع: ها أنا أسافر ولا ارجع إلى صاحبي، وأتمتع بالمال، فتتقلّد منّته وتفوتك منفعته، ولا يعلم أحد بأنك رددته!. فقال: ألست أعلم في نفسي أني لم أقبله؟ فنفسي تشرف بذلك، علم الناس أو جهلوا".

وحدّثنا الحكيم مهذّب الدين عبد الرحيم بن علي قال: حدّثني الشيخ موفق الدين أسعد بن إلياس بن المطران، قال: حدّثني أبي قال: حدثني أبو الفرج بن توما، وأبو الفرج المسيحي قالا: "كان الأجلّ أمين الدولة ابن التلميذ جالسا ونحن بين يديه -: استأذنت عليه امرأة ومعها صبيّ صغير، فأدخلت عليه فحين رآها بدرها فقال: إن صبيّك هذا به حرقة البول، وهو يبول الرمل!. فقالت:

نعم. فقال: فيستعمل كذا وكذا، وانصرفت. قالا: فسألناه عن العلامة الدالّة على أنّ به ذلك، وأنه لو أن الآفة في الكبد أو الطحال لكان اللون من الاستدلال مطابقا. فقال: حين دخل رأيته يولع بإحليله ويحكّه ووجدت أنامل يديه مشقّقة قاحلة. فعلمت أن الحكة من الرمل، وإن تلك المادة الحادّة الموجبة للحكة والحرقة، ربما لا مست أنامله عند ولوعه بالقضيب فتقحّل وتشقّق، فحكمت بذلك. وكان موافقا".

ومن نوادر أمين الدولة وحسن إشاراته، أنه كان يوما عند المستضيء بالله وقد أسنّ أمين الدولة، فلما نهض للقيام توكّأ على ركبتيه، فقال له الخليفة:

كبرت يا أمين الدولة. فقال: نعم يا أمير المؤمنين، وتكسّرت قواريري. ففكّر الخليفة في قول أمين الدولة، وعلم أنه لم يقله إلا لمعنى قد قصده، وسأل عن ذلك، فقيل له: إن الإمام المستنجد بالله كان قد وهبه ضيعة تسمى قوارير وبقيت في يده زمانا، ثم من مدة ثلاث سنين حط الوزير يده عليها، فتعجّب الخليفة من حسن أدب أمين الدولة، وأنه لم ينه أمرها إليه ولا عرض بطلبها، ثم أمر الخليفة بإعادة الضيعة إلى أمين الدولة وأن لا يعارض في شيء من ملكه.

ومن شعره قوله في ولده وكان غاية في الدين:

أشكو إلى الله صاحبا شكساتسعفه النفس وهو يسعفها
فنحن كالشمس والهلال معاتكسبه النور وهو يكسفها

وقوله:

إذا وجد الشيخ في نفسهنشاطا، فذلك موت خفي
للشاعر ابن التلميذ، اقرأ القصيدة
ألست ترى أن ضوء السراجله لهب قبل أن ينطفي
للشاعر ابن التلميذ، اقرأ القصيدة

وقوله:

قال الأنام، وقد رأوهمع الحداثة، قد تصدّر:
من ذا المجاوز قدره؟قلت: المقدّم بالمؤخّر
للشاعر ابن التلميذ، اقرأ القصيدة

وقوله:

قد قلت للشيخ الجليلالأريحي أبي المظفر:
للشاعر ابن التلميذ، اقرأ القصيدة
ذكّر فلان الدين بيقال: لا يذكّر

وقوله:

العلم للرجل اللبيب زيادةونقيصة للأحمق الطيّاش
للشاعر ابن التلميذ، اقرأ القصيدة
مثل النهار يزيد أبصار الورىنورا، ويغشي أعين الخفّاش
للشاعر ابن التلميذ، اقرأ القصيدة

وقوله:

أجدّك، إن من شيم اللياليالعنيفة أن تجوز على اللهيف
للشاعر ابن التلميذ، اقرأ القصيدة
كمثل اللحظ أغلب ما تراهيصب أذاه في العضو الضعيف

وقوله:

لا تحسبنّ سواد الخال عن خللمن الطبيعة، أو إحداثه غلطا
وإنما قلم التصوير حين جرىبنون حاجبه، في خده نقطا

وقوله:

براني الهوى بري المدى فأذابنيصدودك، حتى صرت أنحل من أمس
ولست أرى حتى أراك، وإنمايبين هباء الذر في أفق الشمس

وقوله مما يكتب على حصير:

أفرشت خدي للضيوف ولم يزلخلقي التواضع للبيب الأكيس
للشاعر ابن التلميذ، اقرأ القصيدة
فتواضعي أعلا مكاني بينهمطورا، فصرت أحل صدر المجلس

وقوله:

وحقك إني مذ بنت عنكقلبي حزين ودمعي هتون
فلله أيامنا الخالياتلو رد سالف الدهر حنين
وإني لأرعى عهود الصفاويكلؤها لك ود دفين
ولم لا يكون، ونحن اليدان، أنت بفضلك منها اليمين
للشاعر ابن التلميذ، اقرأ القصيدة

ومنهم:

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.