من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
أبو الفرج يعقوب بن إسحاق بن القف النصراني
بيعة قوم توقّد نبراسها، ودوحة علم مثمرة غفل حراسها، فاق بطبّ له بالأبدان امتزاج، ويدان في تعديل كل مزاج، فطبّب كل داء، ولاطف لطف الأدواء، وكان ذا فهم كأنما كشفت له السجف، وعلم هو البئر الذي لا ينزح،
وأبوه القف ولم يزل على وثبات تقدمه وثبات قدمه، حتى قيّدت الحتوف خطاه، وأثقلت المنون مطاه، فما استقلت له قدم، ولا شبع للموت به قرم.
ذكره ابن أبي أصيبعة وقال: " مولده بالكرك، لسبع بقين من ذي القعدة سنة ثلاثين وستمائة، وكان أبوه الموفق يعقوب صديقا لي، مستمرا على أكيد مودّته، حافظا لها طول أيامه ودهره، يستحلى نفائس مجالسته، وتستجلى عرائس مؤانسته، ألمعيّ أوانه، وأصمعي زمانه، مجيدا في حفظ الأشعار، علاّمة في نقل التواريخ والأخبار، متقدّما في علم العربية، فاضلا في الفنون الأدبية، اشتمل في الكتابة على أصولها وفروعها، وبلغ الغاية من بعيدها وبديعها، وله الخط المنسوب الذي هو نزهة الأبصار، والعناية التي لا تلحق في جميع الأقطار والأمصار، وكان في أيام العزيز كاتبا بصرخد، والنجابة تلوح على ولده أبي الفرج من صغره كما تحقق منه في كبره، وافر الذكاء، محبا للعلماء، فسألني أبوه في تعليمه، فقرأ عليّ ما عرف به أقسام الأسقام وحسم العلل، ثم انتقل أبوه إلى دمشق وخدم بها، وسافر معه ولده، ولقي العلماء، ولازم الفضلاء، وقرأ الحكمة على الخسروشاهي، والغنوي الضرير، وقرأ الطب على علي بن المنفاخ، والموفق السامري، وقرأ أقليدس على المؤيدي العرضي، وفهمه فهما فتح به مقفل أقفاله، وحلّ به مشكل إشكاله، ثم خدم بقلعة عجلون، ثم عاد إلى دمشق، وخدم السلطان بها.
وذكر الجزري في تاريخه قال: سألت أبا الفرج ابن القف عن مرض قاضي القضاة عز الدين ابن الصايغ، فقال: يموت بعد مدة عيّنها، وعن نفسه أنه يموت بعده بمدة عينها، فقلت له: أيش سبب ذلك؟.
فقال: القاضي كذب عليه فحصل له مراقيا سوداوية، غارت إلى قلبه فقتلته سريعا. غير أني أشرب الخمر فأظهره الشراب إلى ظاهري، فأورثني الصفرة في جميع البدن، فأنا أبقى بعده مدة عينها، فاعتبرت قوله، فكان كما قال، وقلت له: أنت من كبار الفضلاء، ولك تصانيف في الطب ما تدفع عنك!، فقال: علة الموت ما لها دواء. وكان يتحسّر على نفسه.
قلت: وأنشدني القاسم بن المظفر بن محمود بن عساكر لنفسه إجازة في مرض الحكيم ابن القف المذكور:
قيل إن ابن القف أشفى على الموت ولم يبق منه غير رسيس
ما نرى طبه أفاد ولا ردد الردى عنه قول جالينوس
قلت كفوا أما سمعتم بما قيلوسارت به حداة العيس
لو نجا الطب فاضلا كان بقراطولم يعبث الردا بالرئيس
إنما غاية الطبيب مع العلّلة تخفيف ضرها المحسوس
قال الجزري: توفي أبو الفرج ابن القف في سنة خمس وثمانين وستمائة.
ومنهم:
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع