تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

إسحاق بن عمران

حلّق تحليق العقاب، وحلّ حيث لا يعاب. وافى ديار مصر فكان زلالا، وأتى المغرب فكان هلالا، فطاب به الواديان، وكان كقاب قوسين منه الواليان، واستوطن أفق المغرب وشمسه ما أذنت بأفول، وشهبه ما آن لقلائصها قفول، ثم كان يتشوق العراق، وبرد نسيمه، وورد تسنيمه، ولكن لم تدن له الأماني، ولم تدن لسعيه المتواني، ولم يتمناها إلا حين لا أوان وحيث دنت وقد حيل بين العير والنزوان.

قال ابن أبي أصيبعة: "كان طبيبا مشهورا، وعالما مذكورا، ويعرف بسم ساعة، قال ابن جلجل: كان مسلم الدين، بغدادي الأصل، بعث إليه ابن الأغلب ألف دينار وراحلة، وكتاب أمان بخط يده أنه متى أحب الانصراف إلى وطنه انصرف، واستجلبه، حتى دخل أفريقية على شروط ثلاثة، لم يف له بواحد منها.

قال: وبه ظهر الطب في الغرب، وعرفت الفلسفة، وكان خبيرا بتأليف الأدوية المركبة، بصيرا بتفرقة العلل، أشبه الأوائل في علمه وجودة قريحته.

استوطن القيروان حينا، وألف سكنه، وألّف فيه كتبا منها: كتابه في داء

الماليخوليا، لم يسبق إليه، ثم توحّش له ابن الأغلب، وكان نهما، وكان إسحاق يمنعه من كثير من المآكل، فقدم عليه حدث يهودي من الأندلس، فكان يخالف إسحاق فيما يشير به على ابن الأغلب، فقدّم إليه يوما لبن، وكان يشكو ضيق نفس، فنهاه إسحاق عن أكله، وهوّنه اليهودي عليه، فأكله، فعرض له في الليل ما أشرف منه على الهلاك، فأرسل يقول لإسحاق: هل عندك علاج؟. فقال: لا.

فقيل له: هذه خمس مائة دينار، وعالجه. فأبى، فلم يزل حتى أوصل إلى ألف دينار، فأخذها، وأطعمه الثلج حتى امتلأ، ثم قيّأه، فخرج جميع اللبن، وقد تجبّن ببرد الثلج، فقال له إسحاق: أيها الأمير، لو دخل هذا اللبن أنابيب رئتيك ولج فيها أهلكك بضيق النفس، لكنني أجهدته وأخرجته قبل وصوله، فقال ابن الأغلب: باع والله إسحاق روحي في البدء اقطعوا رزقه. فخرج إسحاق إلى مكان من رحاب القيروان، وصار يكتب الصفات كل يوم بدنانير كثيرة، فقيل لابن الأغلب: طردت إسحاق أو دللته على الغنى؟ فسجنه، فتبعه الناس إلى السجن يستوصفونه، فأخرجه ليلا ثم كانت له معه حكايات ومعاتبات أحنقته عليه، ففصده في ذراعيه حتى مات، ومكث حتى عشّش في جوفه الطير.

ومنهم:

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.