من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
أبو العلاء زهر بن عبد الملك
فرد في بني آدم، وواحد ما أتى بمثله وقد تقادم، ابن أبيه وفوق كل من يليه، لم يقف سيف ذهنه عند حده، ولا جارى البرق وقد أضمر له نار حقده، وأمسى وهو أبو العلاء، وأخو النجم في الاعتلاء. ربّي في حجر العلم ربيبا، وأصبح منذ
كان في سن الوليد حبيبا، فطلع بدرا كامل الأنوار، وطء بحرا يتمسك له بجوار حتى استهل سحابا، واستقل انسكابا، وكان لبيته تقف عليه زمر، وركبا يحج إليه ويعتمر.
قال ابن أبي أصيبعة فيه: " مشهور بالحذق والمعرفة، وله علاجات مختارة تدل على قوته في الصناعة، واطّلاعه على دقائقها، وكانت له في هذا نوادر، ومعرفة بأحوال المرضى من غير أن يستخبرهم، بل لمجرّد جسه لعروقهم ونظره إلى قواريرهم، وحظي في دولة المرابطين".
وقال ابن جميع أن رجلا من التجار جلب نسخة فائقة من كتاب القانون إلى الأندلس، فأتحف أبا العلاء بن زهر بن تقرّبا إليه، ولم يكن وقف عليه، فلما تأمّله ذمّه واطّرحه ولم يدخله خزانة كتبه، ثم جعل يقطع من طرره ويكتب فيها نسخ الأدوية للمرضى.
وقال أبو يحيى اليسع بن حزم أن أبا العلاء زهرا كان مع صغر سنه تصرخ النجابة بذكره، وتخطب المعارف بشكره، ولم يزل يطالع كتب الأوائل متفهما، ويلقى جلة الشيوخ متعلما، حتى برز في الطب إلى غاية عجز الطلب عن مرامها، وصرف الفهم عن إبرامها، إلى أن خرجت عن قانون الصناعة إلى ضروب الشناعة، يخبر فيصيب، ويضرب في كل ما ينتحله بأوفى نصيب، ويستغرف المدى ويغبر في وجوه سوابق الفضلاء علما ومحتدا، ويفوق الجلة سماحة لا توصف، وندى لولا بذاذة لسان وعجلة ركب عليها الإنسان، وأي الرجال تكمل
خصاله وتتناسب أوصاله؟!.
قال ابن أبي أصيبعة: توفي بإشبيلية ودفن بها.
ومما أنشد له قوله:
يا راشقي بسهام ما لها غرضإلا الفؤاد وما لها منه عوض
امنن ولو بخيال منك يطرقنيفقد بسد مسدّ الجوهر العرض
ومنهم:
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع