من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
ابن الهيثم: وهو أبو علي محمد بن الحسن بن الهيثم البصري ثم المصري
رجل أخذ الفرائد فنظمها، والفوائد فأجلّها قدرا في الصدور وعظّمها، بطرف طموح وطرف تحت عقد بيانه جموح، فأثبت الغرر، وأنبت الدرر، وصاغ النجوم وأشباهها، وتبجّس فحكى الغيوم وأمواهها، لفضائل حصّلها من الصّغر، وورد منها أصفى المناهل ولم يعرف الصّدر، فبقيت كتبه قدوة للمتأمّل، وجلوة مثل الصباح المتهلّل.
قال ابن أبي أصيبعة: "أصله من البصرة، ثم انتقل إلى مصر فأقام بها إلى آخر عمره، وكان فاضل النفس، قوي الذكاء، مفننا في العلوم، وكان كثير التصنيف، ظاهر الزهد، ولخّص كثيرا من كتب أرسطو وجالينوس، وشرح العويص، وكان حسن الخط، جيّد العربية".
حكي أنه كان قد وزّر بالبصرة ونواحيها، فمنعته عن النظر، فآثر التجرّد ليتوفّر على العلم، فأظهر خبالا في عقله وتغيّرا في تصوّره، حتى تمكن من مراده، ثم أتى مصر، وأقام بالجامع الأزهر، ثم كان يكتب "أقليدس، والمجسطي" ويتقوّت بالثمن.
وقيل: إنه بلغ الحاكم أنه كان يقول: لو كنت بمصر لعملت في النيل عملا يحصل به النفع في كل حال من حالاته من زيادة ونقص. فاستدعاه ومشى إليه، فلم يجد أنه يتم له ما أراده، فعاد خجلا واعتذر إلى الحاكم بما قبل منه ظاهره، ثم إنه ولاه بعض الدواوين، فوليها رهبة لا رغبة، ثم تحقّق غلطه إذ قيل لكثرة استحالة الحاكم وإقدامه على سفك الدماء، فلم يجد طريقا إلا معاودة الجنون، فاحتيط على موجوده وقيّد، ووكّل به من يخدمه ويقوم بمصالحه، فلما مات الحاكم أظهر العقل وعاد إلى ما كان عليه، وأعيد عليه ماله، فاستوطن قبة على باب جامع الأزهر ملازما وظائف الاشتغال والإفادة والتصنيف حتى مات.
ومنهم:
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع