تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

ابن الأصم

وهو ابن الأصمّ إلا أنه كان أسمع، وانعقد عليه التفضيل وأجمع، وكان يكرم أبا، ويعد منه والدا لو كان من الشهور لكان رجبا، إلى طبّ طالما صاد به المنون، وصاد ما لم تجله الظنون، وانتاش مهجة لم يبق منها إلا آخر الذماء، وردّ مرضا لم يطل زاخر الدماء، وكانت إشبيلية به في حلل المفاخر تختال، وتكف بأس من يغتال، وتتيه بنسبته إليها وسمته التي دلّت دليل نسيم السحر عليها.

قال ابن أبي أصيبعة: " هو من الأطباء المشهورين بإشبيلية، وله قوة نظر في الاستدلال على الأمراض ومداواتها، وله حكايات مشهورة، ونوادر في معرفته بالقوارير، وإخباره عند ما يراها بجملة حال المريض، وما يشكوه وما قد تناوله من الأغذية. حدثني أبو عبد الله المعري قال: كنت يوما عند ابن الأصم، وإذا

بجماعة قد أقبلوا إليه ومعهم رجل وفي فمه حية قد دخل بعضها مع رأسها في حلقه، وبقيتها ظاهر، وهي مربوطة بخيط قنب إلى ذراع الرجل، فقال لهم: ما شأن هذا؟ فقالوا له: إن من عادته أن ينام وفمه مفتوح، وكان قد أكل لبنا ونام، فلما جاءه هذه الحية لعقت من فيه ودخلته وهو نائم، فأحست بمن أتى فخافت وانساب بعضها في حلقه، وأدركناها فربطناها بهذا الخيط لئلا تدخل في حلقه، وقد أتينا به إليك. فلما نظر إلى ذلك الرجل وجده وهو في الموت من الخوف، فقال: لا بأس عليك، كدتم تهلكون الرجل. ثم قطع الخيط فانسابت الحية، وبلغت إلى جوفه واستقرت. فقال له: الآن تبرأ. وأمره أن لا يتحرك، وأخذ أدوية وعقاقير فأغلاها في الماء غليا جيدا وجعل ذلك الماء في إبريق وسقاه الرجل، وهو حارّ فشربه وصار يجس معدته حتى قال: ماتت الحية، ثم سقاه ماء آخر مغليا فيه حوائج، وقال: هذه تهريء الحية مع هضم المعدة، وصبر مقدار ساعتين وسقاه ماء قد أغلي فيه أدوية مقيئة، فجاشت نفس الرجل وذرعه القيء، فعصب عينيه وبقي يتقيّأ في طست فوجدنا تلك الحية هي قطع، وهو يأمره بكثرة القيء حتى تنظفت معدته، وخرجت بقايا الحية، وقال له: طب نفسا فقد تعافيت، وذهب الرجل مطمئنا صحيحا بعد أن كان في حالة الموت.

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.