من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
عمرو الميداني
مطرب مجالس، ومطري مجالس، وزند سرور قادح، وعهد حبور سلم من فادح، اقتصر على الضرب بالطنبور، فيبست العيدان، ويئست أن تحوز صنعة
الميدان، ووضع لها في الأصوات ما يناسب، وقنع منها بما تيسر من المكاسب، ثم ما ضمّ مصرورا، ولا مضى مسرورا.
قال أبو الفرج، قال علي بن أمية: دخلت على عمرو الميداني، وكان له بقّال على باب داره ينادمه ويقترض منه إذا أعسر، فوجدته عنده، فقال: يا أبا عمرو، معي أربعة دراهم اشتروا بها ما أحببتم، وعندي نبيذ، وأنا أغنيكم، والبقال يحضركم من الأبقال اليابسة مما في حانوته، فوجهنا بالبقال، فاشترى لنا لحما وخبزا وفاكهة، وجاءنا من دكانه بحوائج سكباج ونقل، فبينا نحن نتوقع فراغ القدر، إذا بفرانق يدق الباب، وقال: أجب إسحاق بن إبراهيم، فحلف علينا ألا نبرح، ومضى هو وأكلنا وشربنا، وانصرفت عشاء، وبكر إليّ رسوله فصرت إليه، فقلت له أعطني خبرك، قال: أدخلت فوضعت بين يدي مائدة، كأنها جزعة يمانية، قد فرشت في عراصها أنواع الأطعمة، فأكلت وسقيت رطلين، فدفع إلي الطنبور، فدخلت إلى إسحاق فوجدته جالسا وخلفه ستارة وعنده مخارق وعلوية، فقال:
أنت عمرو الميداني؟ فقلت: نعم، قال: أكلت؟ قلت: نعم، [قال] هاهنا أو في منزلك؟ قلت: بل هاهنا، قال: أحسنت، تغنّ بصوتك:
يا شبيه الهلال كلّل في الأفق أنجما
فغنيته، فضرب الستارة، وقال: قولوه أنتم [فقالوه]، فقال لمخارق وعلوية:
كيف تسمعان؟ قالا: هذا والله ذاك، وذاك هذا [فردّدنه]، وشرب عليه مرارا، ثم قال لي: أنا اليوم على خلوة ولك إليّ عودات، فانصرف اليوم بسلامة، فخرجت
ودفع إليّ الغلام خمسة [ص] آلاف درهم، هذه والله لا استأثرت عليكم منها بدرهم، فلم نزل عنده نقصف بها حتى نفدت كلها.
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع