من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
محمود بن سلمان بن فهد، الحلبي، الكاتب، شيخنا العلامة، حجة الكتاب، فرد الزمان، شهاب الدين، أبو الثناء
الصفحة ٢ من ٢
ومنه قوله مما كتبه على لسان مولود إلى أبيه، ولم يكتب به:
يقبل الأرض ابتداء بالخدمة من حين ظهر إلى الوجود، وتشوقا إلى امتطاء
صهوات الجياد بين يدي سيده قبل المهود، وتمنيا أن يكون أول شيء يقع عليه نظره من الدنيا وجه مولانا الذي تعلو بنظره الجدود، وتتيمن برؤيته كواكب السعود، وينهي أنه يعجل السوق على صغره، وكأن كمال المسرة به أن يقع نظر مولانا الشريف عليه قبل البشرى بخبره، لتلقى عليه أشعة سعادة مولانا في ساعة ظهوره، ويكسى قبل أن تلقى عليه الملابس من إشراق محيّاه حلل نوره، ويكون أول ما يلج مسامعه صوت مولانا يحمد ربه على الزيادة في خدمه، وتكثير من يضرب بين يديه في الحرب بسيفه، ويقف في السلم أمامه على قدمه؛ فإن من يكون نجل مولانا تنطق بالنجابة مخايله، وتدل على الشجاعة سماته قبل أن تدل عليها شمائله؛ والهلال سيصير في أفقه بدرا منيرا، والشبل سيعود كأبيه أسدا هصورا؛ والله تعالى يهب العبد عمرا يبلغ به من طاعة مولانا ما يجب عليه، ويرزقه عملا صالحا يتقرب به إلى ربه وإليه.
ومنه قوله رسالة كتبها في البندق:
الرياضة - أطال الله بقاء الجناب الفلاني، وجعل حبه كقلب عدوه واجبا، وسعده كوصف عبده للمسار جالبا، وللمضار حاجبا - تبعث النفس على مجانبه الدعة والسكون، وتصونها عن مشابهة الحمائم في الركون إلى الوكون، وتحضها على أخذ حظها من كل فن حسن، وتحثها على إضافة الأدوات الكاملة إلى فصاحة اللسن، وتأخذ بها طورا في الجد وطورا في اللعب، وتصرفها في ملاذ السمو في المشاق التي يستروح إليها التعب، فتارة تحمل الأكابر والعظماء
في طلب الصيد على مواصلة السرى، ومقاطعة الكرى، ومهاجرة الأوطار، ومهاجمة الأخطار، ومكابدة الهواجر، ومبادرة الأوابد التي لا تدرك حتى تبلغ القلوب الحناجر، وذلك من محاسن أوصافهم التي يذم المعرض عنها؛ وإذا كان المقصود من مثلهم جدّ الحرب، فهذه صورة لعب يخرج إليه منها، وتارة تدعوهم إلى البروز إلى الملق، وتحدوهم في سلوك طريقهم مع من هو دونهم على ملازمة الصدق ومجانبة الملق، فيعتسفون إليها الدجى إذا سجى، ويقتحمون جرف النهار إذا انهار، ويتنعمون بوعثاء السفر في بلوغ الظفر، ويستصغرون ركوب الخطر في إدراك الوطر، ويؤثرون السهر على النوم، والليلة على اليوم، والبندق على السهام، والوحدة على الالتئام.
ولما عدنا من الصيد الذي اتصل بعلمه حديثه، وشرح له قديم أمره وحديثه، تقنا إلى أن نشفع صيد السوانح برمي الصوادح، وأن نفعل في الطير الجوانح بأهلة القسي ما تفعل الجوارح، تفضيلا لملازمة الارتحال، على الإقامة في الرحال، وأخذا بقولهم:
لا يصلح النفس إذ كانت مدبّرةإلا التنقل من حال إلى حال
فبرزنا وشمس الأصيل تجود بنفسها، وتشير من الأفق الغربي إلى جانب رمسها، وتغازل عيون النور بمقلة أرمد، وتنظر إلى صفحات الورد نظر المريض إلى وجوه العوّد، فكأنها كئيب أضحى من الفراق على فرق، أو عليل يقضي بين أصحابه بقايا مدة الرمق، وقد اخضلت عيون النّور لوداعها، وهم الروض بخلع حلّته المموهة بذهب شعاعها:
والطل في أعين النوار تحسبهدمعا تحير لم يرقأ ولم يكف
كلؤلؤ ظل عطف الغصن متشحابعقده وتبدى منه في شنف
يضم من سندس الأوراق في صررخضر ويجني من الأزهار في صدف
والشمس في طفل الإمساء تنظر منطرف غدا وهو من خوف الفراق خفي
كعاشق سار عن أحبابه وهفابه الهوى فتراءاهم على شرف
إلى أن نضى المغرب عن الأفق ذهب قلائدها، وعوضه عنها من النجوم بخدمها وولائدها، فلبثنا بعد أداء الفرض لبث الأهلة، ومنعنا جفوننا أن ترد النوم إلا تحلة.
ونهضنا وبرد الليل موشع، وعقدة مرصع، وإكليله مجوهر، وأديمه معنبر، وبدره في خدر سراره مستكن، وفجره في حشا مطالعه مستجن، كأن امتزاج لونه بشفق الكواكب خليطا مسك وصندل وكأن ثرياه لامتداده معلقة بأمراس كتان إلى صم جندل:
ولاحت نجوم الليل زهرا كأنهاعقود على خود من الزنج تنظم
محلقة في الجو تحسب أنهاطيور على نهر المجرة حوّم
إذا لاح بازي الصبح ولت يؤمهاإلى الغرب خوفا منه نسر ومرزم
إلى حدائق ملتفة، وجداول محتفة، إذا حس النسيم غصونها اعتنقت عناق الأحباب، وإذا فزّك من المياه متونها انسابت في الجداول انسياب الحباب، ورقصت في المناهل رقص الحباب، وإن لثم ثغور نورها حيته بأنفاس المعشوق،
وإن أيقظ نواعس ورقها غنته بألحان المشوق؛ فنسيمها وان، وشميمها لعرف الجنان عنوان، ووردها من سهر نرجسها غيران، وطلها في خدود الورد منبعث، وفي طرر الريحان حيران، وطائرها غرد، وماؤها مطرد، وغصنها تارة يعطفه النسيم إليه فينعطف، وتارة يعتدل تحت ورقائه فتحسب أنها همزة على ألف، مع ما في تلك الرياض من توافق المحاسن، وتباين الترتيب؛ إذ كلما اعتل النسيم صح نشر الروض، وكلما خر الماء شمخ القضيب:
وكأنما تلك الغصون إذا انثنتأعطافها رسل الصبا أحباب
فلها إذا افترقت من استعطافهاصلح ومن سجع الحمام عتاب
وكأنها حول العيون موائساشرب وهاتيك المياه شراب
فغديرها كأس وعذب نطافهاراح وأضواء النجوم حباب
تحيط بملق نطافها صاف، وظلال دوحها ضاف، وحصاها لصفاء مائها في نفس الأمر راكد، وفي رأي العين طاف؛ إذا دغدغها النسيم حسبت ماءها بتمايل الظلال فيه يتبرج ويميل، وإذا اطردت عليه أنفاس الصبا، ظننت أفياء تلك الغصون فيه تارة تتموج وتارة تسيل، فكأنه محب هام بالغصون هوى، فمثّلها في قلبه، وكأن النسيم كلف غار من دنوها إليه فميّلها عن قربه:
والسرو مثل عرائسلفت عليهن الملاء
شمرن فضل الأزر عنسوق خلا خلهن ماء
والنهر كالمرآة تبصر وجهها فيه السماء
وكأن صواف الطير المبيضة بتلك الملق، خيام أو ظباء بأعلى الرقمتين قيام، أو أباريق فضة رؤوسها لها فدام، ومناقيرها المحمرة أوائل ما انسكب من المدام، وكأن رقابها رماح أسنتها من ذهب، أو شموع أسود رؤوسها ما انطفأ، وأحمره ما التهب، وكنا كالطير الجليل عده، وكطراز العمر الأول جده:
من كل أبلج كالنسيم لطافةعف الضمير مهذب الأخلاق
مثل البدور ملاحة وكعمرهاعددا ومثل الشمس في الإشراق
ومعهم قسي كالغصون في لطافتها ولينها، والأهلة في نحافتها وتكوينها، والأزاهر في ترافتها وتلوينها؛ بطونها مدبجة، ومتونها مدرجة، كأنها الشولة
في انعطافها، أو أرواق الظباء في التفافها، لأوتارها عند القوادم أوتار، ولبنادقها في الحواصل أوكار، إذا انتصبت لطير ذهب من الحياة نصيبه، وإن ينصب لرمي بدت لها أنه أحق بها من نصيبه، ولعل ذاك الصوت زجر لبندقها أن يبطئ في سيره، أو يتخطى الغرض إلى غيره، أو وحشة لمفارقة أفلاذ كبدها، أو أسفا لخروج بنيها عن يدها، على أنها طالما نبذت بنيها بالعراء، وشفعت لخصمها التحذير بالإغراء:
مثل العقارب أذنابا معقدةلمن تأملها أو حقق النظرا
إن مدها قمر منهم وعاينهمسافر الطير فيها وانبرى سفرا
فهو المسيء اختيارا إذ نوى سفراوقد رأى طالعا في العقرب القمرا
ومن البنادق كرات متفقة السرد، متحدة العكس والطرد، كأنها خلطت من المندل الرطب، أو عجنت من العنبر الورد، تسري كالشهب في الظلام، وتسبق
إلى مقاتل الطير مسددات السهام:
مثل النجوم إذا ما سرن في أفقعن الأهلة لكن نورها راء
ما فاتها من نجوم الليل إذ رمقتإلا ثبات يرى فيها وأضواء
تسري فلا يشعر الليل البهيم بهاكأنها في جفون الليل إغفاء
وتسمع الطير إذ تهفو قوادمهخوافقا في الدياجي وهي صماء
تصونها جراوة كأنها درج درر، أو درج غرر، أو كمامة ثمر، أو كنانة نبل، أو غمامة وبل، حالكة الأديم، كأنما رقمت بالشفق حلة ليلها البهيم:
كأنها في وصفها مشرقتنبت منه في الدجى الأنجم
أو ديمة قد أطلعت قوسهاملونا وانبعثت تسجم
فاتخذ كل لها مركزا، وتقاضى من الإصابة وعدا منجزا، وضمن له السعد أن يصبح لمراده محرزا:
كأنهم في يمن أفعالهمفي نظر المنصف والجاحد
قد ولدوا في طالع واحدوأشرقوا من مطلع واحد
فسرت لها من الليل علينا من الطير عصابة، أظلتنا من أجنحتها سحابة، من كل طائر أقلع يرتاد مرتعا، فوجد ولكن مصرعا، وأسفّ يبغي ماء جماما، فورد ولكن سما منقعا، وحلق في السماء يبغي ملعبا، فبات هو وأشياعه سجدا للقسي وركعا، فتباركنا بذلك الوجه الجميل، وتداركنا أوائل ذلك القبيل.
فاستقبل أولنا تمّا تمّ بدره، وعظم في نوعه قدره، كأنه برق كرع في غسق، أو صبح عطف على بقية الدجى عطف النسق، تحسبه في ائتلاف المنى غرّة نجح، وتخاله تحت أذيال الدجى طرّة صبح، وعليه من البياض حلة وقار، وله كرة من عنبر فوق منقار من قار، له عنق ظليم، والتفاتة ريم، وسرى غيم يصرفه نسيم:
كلون المشيب وعصر الشباب ووقت الوصال ويوم الظفر
كأن الدجى غار من لونهفأمسك منقاره ثم فر
فأرسل عن الهلال نجما، فسقط منه ما كبر بما صغر حجما، فاستبشر بنجاحه، وكبر عند صياحه، وحصله من وسط الماء بجناحه.
وتلاه كيّ نقي اللباس، مشتعل شيب الراس، كأنه في عرانين شيبه لا وبله كبير أناس، إذا سفّ في طيرانه فغمام، وإن خفق بجناحه فقلع له بيد النسيم زمام، ذو غببة كالجراب، ومنقار كالحراب، ولون يغر في الدجى كالنجم، ويخدع في الضحى كالسراب، ظاهر الهرم، كأنما يخبر عن عاد، ويحدث عن إرم:
إن عام في زرق الغدير حسبتهمبيض غيم في أديم سماء
أو طار في أفق السماء ظننتهفي الجو شيخا عائما في ماء
متناقض الأوصاف فيه خفة الجهّال تحت رزانة العلماء
فثنى إليه الثاني عنان بندقه، وتوخاه فيما بين أصل رأسه وعنقه، فخر كمارد انقض عليه نجم من أفقه، فتلقاه الكبير بالتكبير، واختطفه قبل مصافحة الماء من وجه الغدير.
وقارنته إوزة، حلتها دكناء، وحليتها حسناء، لها في الفضاء مجال، وعلى طيرانها خفة ذات التبرج، وخفر ربات الحجال، كأنما غبت في ذهب، أو خاضت في لهب، تختال في مشيها كالكاعب، وتنأى في خطوها كاللاعب، وتعطو بجيدها كالظبي الغرير، وتتدافع في سيرها مشي القطاة إلى الغدير:
إذا أقبلت تمشي بخطرة كاعبرداح وإن صاحت فصولة خادم
وإن أقلعت قالت لها الريح ليت ليخفا ذي الخوافي أو قوى ذي القوادم
فأنعم بها في البعد زاد مسافروأحسن بها في القرب تحفة قادم
فلوى الثالث جيده إليها، وعطف بوجه قوسه عليها، فلجت في ترفعها ممعنة، ثم نزلت على حكمه مذعنة، فأعجلها عن استكمال الهبوط، واستولى عليها بعد استمرار القنوط.
وحاذتها لغلغة تحكي لون وشيها، وتصف حسن مشيها، وتربي عليها بغرتها، وتنافسها في المحاسن كضرتها؛ كأنها مدامة قطبت بمائها، أو غمامة شفت عن بعض نجوم سمائها:
بغرة بيضاء ميمونةتشرق في الليل كبدر التمام
وإن تبدت في الضحى خلتهافي الحلة الدكناء برق الغمام
فنهض الرابع لاستقبالها، ورماها عن فلك سعده بنجم وبالها، فجدت في العلو مغذة، وتطاردت أمام بندقه، ولولا طراد الصيد لم تك لذة؛ وانقض عليها من يده شهاب حتفها، وأدركها الأجل لخفة طيرانها من خلفها، فوقعت من الأفق في كفه، ونفر من في بقايا صفها عن صفه.
وأتت في إثرها أنيسة آنسة، كأنها العذراء العانسة، أو الأدماء الكانسة، عليها خفر الأبكار، وخفة ذوات الأوكار، وحلاوة المعاني التي تجلى على الأفكار، ولها أنس الربيب، وإذلال الحبيب، وتلفت الزائر المريب من خوف الرقيب، ذات عنق كالإبريق، أو الغصن الوريق، قد جمع صفرة البهار إلى حمرة الشقيق، وصدر بهي الملبوس، شهيّ إلى النفوس، كأنما رقم فيه النهار بالليل أو نقش فيه العاج بالآبنوس؛ وجناح ينجيها من العطب، يحكي لونه المندل الرطب، لولا أنه حطب:
مدبجة الصدر تفويفهأضاف إلى الليل ضوء النهار
لها عنق خاله من رآهشقائق قد سيجت بالبهار
فوثب الخامس منها إلى الغنيمة، ونظم في سلك رميه تلك الدرة اليتيمة، وحصل بتحصيلها بين الرماة على الرتبة الجسيمة.
وأتى على صوتها حبرج يسبق همته جناحه، ويغلب خفق قوادمه
صياحه، مدبّج المطا، كأنما خلع حلة منكبيه على القطا، ينظر من لهب ويخطو على رجلين من ذهب:
يزور الرياض ويجفو الحياضويشبه في اللون كدر القطا
ويهوى الزروع ويلهو بهاولا يرد الماء إلا خطا
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع