تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

خليل بن أيبك الصفدي، أبو الصفا، صلاح الدين

الصفحة ٢ من ٢

وقوله:

لك إن تغب شخص وذكر أصبحاملكين في ذاتي وذلك لائق
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «لك إن تغب شخص وذكر أصبحا»
فخيام جفني فوق ذا مضروبةولواء قلبي فوق هذا خافق
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «لك إن تغب شخص وذكر أصبحا»

وقوله:

كأنما الليل إذا مادجاوصدّ من قلبي به مغرى
صحيفة سودا وشخصي بهمن انتحالي ألف صفرا

وقوله:

أتاني وقد أودى السهاد بناظرييمزق جنح الليل بارق فيه
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «أتاني وقد أودى السهاد بناظري»
فقلت له: يا طيب الأصل هكذاأخذت الكرى مني وعيني فيه
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «أتاني وقد أودى السهاد بناظري»

وقوله:

لما رقدت أتى خيالك بغتةفغدا فؤادي خافقا يتموج
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «لما رقدت أتى خيالك بغتة»
لو أن صحبي شاهدوني في الكرىوالقلب يرقص في الخيال تفرجوا
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «لما رقدت أتى خيالك بغتة»

وقوله:

ضممت خيالك لما أتىوقبلته قبلة المغرم
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «ضممت خيالك لما أتى»
وقمت ومن فرحتي باللقاحلاوة ذاك اللمى في فمي

وقوله:

عجبت إذ زارت على خفيةمن أعلم الواشي بمسراها
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «عجبت إذ زارت على خفية»
هذا فضول من نسيم الصبافهو الذي ينقل رياها
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «عجبت إذ زارت على خفية»

وقوله:

قلت له: زرني فلابد أنيدري بنا الواشي ويغري العذول
فالريح ما تكتم سرا ومايبرح ريّاك يعاني الفضول

وقوله:

قالوا: وشى الحلي بها إذ مشتإليك من قبل ابتسام الصباح
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «قالوا وشى الحلى بها إذ مشت»
فقلت: لا خلخالها صامتثم تذكرت فضول الوشاح
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «قالوا وشى الحلى بها إذ مشت»

وقوله:

علم الوشاة بأن ريق معذبيراح يعيد الصب بعد هلاكه
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «علم الوشاة بأن ريق معذبي»
أما أنا لم يبد هذا من فميلكن هذا من فضول سواكه
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «علم الوشاة بأن ريق معذبي»

وقوله:

يقول: لما قلت هذا اللمىأسكرني لما ترشفت فاك
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «يقول لما قلت هذا اللمى»
سواك ما ذاق لمى مبسميأستغفر الله ذكرت السواك
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «يقول لما قلت هذا اللمى»

وقوله:

إذا شئت حليك أن لا يشيوقد زرت في الحندس المظلم
فردي السوار مكان الوشاح وخلي سوارك في المعصم
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «إذا شئت حليك ألا يشى»

وقوله:

قال لي: لا تفه بميل قواميإن تثنى واستره خوف العيون
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «قال لي لا تفه بميل قوامي»
قلت: [إن] الصبا التي قد أشاعتعنك هذا الحديث بين الغصون

وقوله:

أقول: يا غصن هلا ملت نحو فتىفؤاده طار حتى ليس يألفه
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «أقول يا غصن هلا ملت نحو فتى»
فقال: من قال: قدي مثل غصن نقا؟قلت: النسيم الذي ما زال يعطفه
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «أقول يا غصن هلا ملت نحو فتى»

وقوله مضمنا:

أقول لغصن البان: إن كان لم يمسقوامك إلا بالصبا في التنسم
فعارض حبيبي حين يثني قوامهوقف وقفة قدامه تتعلم
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «أقول لغصن البان إن كنت لم يمس»

وقوله:

يوهمني من لين أعطافهبأنه لم يقس يوما علي
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «يوهمني من لين أعطافه»
ويخدع البند إلى أن غدايربطه الخصر على غير شيّ
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «يوهمني من لين أعطافه»

وقوله:

لم أنسه في روضةوالطير يصدح فوق غصن
فأعلم الورق البكاويعلّم الغصن التثني

وقوله:

يهتز قدك ليناوفي الحشا منه غصه
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «يهتز قدك لينا»
يغيب عني حيناوإن أتى جاء برقصه

وقوله:

أيها الأهيف الذي قد تثنيعطفه والتوى من اللين غصنه
لك ردف من وافر وبسيطلا يرى في الربا ولا الكثب وزنه

وقوله:

يقول ردف حبيبيوعطفه المتثني:
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «يقول ردف حبيبي»
ما أنت يا غصن قديولا كثيبك وزني
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «يقول ردف حبيبي»

وقوله:

لقد أضعفني حزنيوضاعف خالقي حسنك
فها أنا لم أزن وجديلأني لم أجد وزنك

وقوله:

ألبستها من عناقي وهي نائمةثوبا يزر بلثم غير منفصل
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «ألبستها من عناقي وهي نائمة»
يا خجلتا في غد منها إذا أخذتمرآتها ورأت ما أثرت قبلي
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «ألبستها من عناقي وهي نائمة»

وقوله:

يا برق بلغ رسالتي فمهاإن أنكرتني فصف لها عللي
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «يا برق بلغ رسالتي فمها»
لأن بيني وبين مبسمهاليلة زارت علامة القبل
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «يا برق بلغ رسالتي فمها»

وقوله:

قلت له: إن بعدت عنيتفضلت بيننا العواذل
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «قلت له إن بعدت عني»
أما ترانا لما اعتنقناما دخلت بيننا الغلائل
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «قلت له إن بعدت عني»

وقوله:

نظرت إلى الرياض ولي مجازيؤديني إلى المعنى الحقيقي
فكم أبصرت من آس تبدىوما اندملت جراحات الشقيق

وقوله:

عذارك والطرف يا قاتلييحاكيهما الآس والنرجس
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «عذارك والطرف يا قاتلي»
وقد صار بينهما نسبةفهذا يدب وذا ينعس
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «عذارك والطرف يا قاتلي»

وقوله:

إن عيني مذ غاب شخصك عنهايأمر السهد في كراها وينهى
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «إن عيني مذ غاب شخصك عنها»
بدموع كأنهن الغواديلا تسل ما جرى على الخد منها

وقوله:

أملت أن تتعطفوا بوصالكمفرأيت من هجرانكم ما لا يرى
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «أملت أن تتعطفوا بوصالكم»
وعلمت أن بعادكم لا بدّ أنيجري له دمعي دما وكذا جرى
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «أملت أن تتعطفوا بوصالكم»

وجاءت شتوة وشّعت بروقها حاشية السحاب، ووشّت لمم الجبال الشائبة توشية الخضاب، وهدرت رعودها الصائلة، ووفت عهودها السائلة، وتوالت مدة لا يكشط فيها سماء، ولا يكشف بأيام الثلوج المصبحة ظلماء، ودامت أياما لا تفصل فصالها عن سحائب، ولا تولد بكرة يوم إلا وهي في طفولتها شائبة النواصي والذوائب، هذا ولا تصبح صبيحة ضاحك إلا ووجه الأرض عبوس، ومعطف السماء في لبوس بؤس، وقوس السحاب ترمي بقسي مالها وتر، وغدر الثلج الصافية كالبلور كلها كدر، والسقوف وقد أرقها المطر فأنهرها، والطرق قد عرفها اللثق ونكّرها، والبرد قد اشتد كلبه، ولهذا غطى جمده الماء، ولم يشتف حتى شرب العذب البارد ممزوجا بمثل الدماء.

فكتبت إليه:

كيف أصبح مولانا في هذا الشتاء الذي أقبل يرعب مقدمه، ويرهب تقدمه، ويريب اللبيب من برقه المومض تبسمه؟ وكيف حاله مع رعوده الصارخة، ورياحه النافخة، ووجوه أيامه الكالحة، وسرر لياليه التي لا تبيت منها بليلة صالحة وسحابه وأمواجه وجليده، والمشي فوق زجاجه، وتراكم مطره الحثيث، وتطاول فرع ليله الأثيث، ومواقده السود الممقوتة، وذائب جمره المحمر، وأهون بها ولو أن كل حمراء ياقوتة، وتحدر نؤيه المتصبب، وتحير نجمه المتصوب؟ وكيف هو مع جيشه الذي ما أطل حتى نصب مضارب غمامه،

وظلل الجو بمثل أجنحة الفواخت من أعلامه؟ هذا على أنه عرّى الأبنية، وحلل مما تلف ذمّه سالف الأشتية، فلقد جاء من البرد بما رض العظام وأنخرها، ودق فخارات الأجسام وفخرها، وجمد في الفم الريق، وعقد اللسان إلا أنه لسان المنطيق، ويبس الأصابع حتى كادت أغصانها توقد حطبا، وقيد الأرجل فكانت لا تمشي إلا تتوقع عطبا، وأتى الزمهرير بجنود ما للقوي بها قبل، وحمل الأجسام من ثقل الثياب ما لا يعصمهم منه من قال: ﴿سَآوِي إِلى جَبَلٍ﴾، ومدّ من السيل ما استبكى العيون إذا جرى، واجتحف ما أتى عليه وأول ما بدأ الدمع بالكرى، فكيف أنت يا سيدي في هذه الأحوال؟ وكيف أنت في مقاساة هذه الأهوال؟ وكيف رأيت منها ما شيب بثلجه نواصي الجبال؟ وجاء من البحر فتلقف ثعبانه ما ألقته هراوات البروق من عصي، وخيوط السحاب من حبال؛ أما نحن فبين أفواج من السحب تزدحم، وفي رأس جبل لا يعصم فيه من الماء إلا من رحم؛ وكيف سيدنا مع مجامر كانون وشرار برقها القادح، وهم ودقها الفادح، وقوس قزحها المتلون؟ رد الله عليه صوائب سهامه، وبدّلنا منه بوشائع حلل الربيع ونضارة أيامه، وجعل حظ مولانا من لوافحه ما يذكيه دهنه من ضرامه، ومن سوافحه ما يولده فكره من تؤامه، وعوضنا وإيّاه منه بالصيف إذا أقبل، وأراحنا من هذا الشتاء، ومشى غمامه المتبختر بكمه المسبل.

فكتب إلي جوابا:

وينهي ورود هذه الرقعة التي هي طراز في حلة الدهر، والحديقة التي تذكّر بزمن الربيع وما تهديه أيامه من أنواع الزهر، فوقف منها على الروض الذي تهدلت فروع غصونه بالأثمار، ونظر منها إلى الأفق الذي كلّ كواكبه شموس

وأقمار، فأنشأت له أطرابه، وأعلمته أن قلم مولانا يفعل بالألباب ما لا تفعله نغمات الشبّابة، وأرشفته سلافا كورسها الحروف، وكل نقطة حبابة؛ وشاهد أوصاف هذه الأيام المباركة القدوم، المتصلة الظلام فلا أوحش الله من طلعة الشمس، وحواجب الأهلة، وعيون النجوم، فما لنا ولهذه السحائب السحّابة، والرعود الصخّابة، والبروق اللهّابة، والغمائم السكابة، والثلوج التي أصبحت بحصبائها حصّابة والبرد الذي أمست إبره لغضون الجلود قطّابة، والزميتا التي لا تروي عن أبي ذر، إلا ويروي الغيث عن أبي قلابة، كلما أقبلت فحمة ظلام قدحت فيها البوارق جمرتها، وكلما جاءت سحابة كحلاء الجفون رجعت وهي مرهاء لما أسبلت من عبرتها، فما هذا طوبة، إن هذا إلا جبل ثهلان، وما هذا كانون، إن هو إلا تنور الطوفان، التي متى قطن هذه الثلوج يطرح على حباب الجبال، وإلى متى تفاض دلاص الأنهار، وترشقها قوس قزح بالنبال؟ وإلى متى تشقّق السحاب ما لها من الحلل والحبر؟، وإلى متى ترسل خيوط المزن من الجو وفي أطرافها على الغدران إبر؟ وإلى متى تجمد عيون الغمام وتلحّها البروق بالنار؟ وإلى متى نثار هذه الفضة وما يرى للنجم دينار؟ وإلى متى نحن نحنو على النار حنو المرضعات على الفطيم؟ وإلى متى تبكي هذه الميازيب بكاء الأولياء بغير حزن، إذا استولوا على مال اليتيم؟ وإلى متى هذا البرق تتلوى بطون حياته، وتتقلب حماليق العيون المحمرة من أسود غاباته؟ وإلى متى يزمجر عتب هذه الرياح العاصفة؟ وإلى متى يرسل الزمهرير أعوانا تصبح بها حلاوة

الوجوه تالفة؟ أترى هذه الأمطار تقلب من أزيار؟ أم ترى هذه المواليد تنتهي فيها الأعمار؟ كم من جليد يذوب له قلب الجليد، ويرى زجاجه الشفاف أصلب من الحديد! وكم من وحل لا تمشي هريرة فيه الوجى!، وكم من برد لا ينتطق فيه نوم الضحى! اللهم حوالينا ولا علينا، لقد أضجرنا تراكم الثياب، ومقاساة ما لهذه الرحمة من العذاب، وانجماع كلّ عن إلفه، وإغلاق باب القباب، وتخلل الضباب زوايا البيوت، والأطفال ضباب الضباب، كل ضبّ منهم قد لزم باطن نافقائه، وقدم بين يديه الموت بداية بدائه، قد حسد على النار من أمسى مذنبا وأصبح عاصيا، وتمنى أن يرى من فواكه الجمرات عنابا أو قراصيا، فإن كانت هذه الأمطار تكاثر فضائل مولانا، فيا طول ما تسفح، وإن كانت العواصف تتشبه ببأسه، فيا طول ما تلفح، وإن كانت البروق تحاكي ذهنه المتسرع، فيا طول ما تتألق، وإن كانت قوس قزح تتلون خجلا من طروسه، فياطول ما تتأنق، وإن كانت الرعود تحكي جوانح أعاديه، فيا طول ما تفهق وتشهق، وإن كانت السيول تجري وراء جوده، فيا طول ما تجري على طول المدى وما تلحق؛ والأولى بهذا النوء الباكي أن لا يحاكي، والأليق بهذا الفصل المبغض ألا يتعرض؛ ورحم الله من عرف قدره، وكفى الناس شره، وتحقق أن مولانا في هذا الوجود ندرة.

فأجبته:

وقف لمواقع القلم الشريف ووقف عليه، وتيمن بمجرد إقباله إليه، وقبّلة لقرب عهده بيديه، وعدّه لجلاء المرّة لما أمرّه على عينيه، لا برح الشهد من جني ريقه

المعلل، والطرب بكأس رحيقه المحلل، والتيه وحاشاه منه في سلوك طريقه المدلل، والجهد - ولو كلف - لا يجيء بمثل سيره المذلل، والسحاب لا يطير إلا بجناح كرمه المبلل، والروض لا يبرز إلا في ثوب زخرفه المجلل، والبرق لا يهتز إلا في مثل ردائه المشلل، والنصر يفضي لمواضيه على حد حسامه المفلل، والفجر لولا بيانه الوضاح لما أرشد دليله المضلل، والبحر لولا ما عرف من عبابه الزاخر لما ذم على غزر المادة نواله المقلل، والفخر - ولو شمخ بأنفه - لا ينافس عقده الموشح، ولا يتطاول إلى تاجه المكلل، وفهمه فهام، وعلمه فزاد صقال الأفهام، وقصر عن معرفته فما شك أنه إلهام، وانتهى في الجواب إلى وصف أنواء تلك الليلة الماطرة، وما موهت به السحب من ذهب برقها، وقتلته الأنواء من خيوط ودقها، ونفخت فيه الرياح من جمر كانونها، وأظهرت حقيقته الرعود من سرّ مكنونها، وما تبثه عارضة ذلك العارض الممطر الذي هو أقوى من شآبيبها، وأوقى مما أرقته السّماء من جلابيبها، وأسرى من برقها المومض في غرابيبها، وأسرع من سرى رياحها وقد جمعت أطواق السحب وأخذت بتلابيبها؛ وسبح الملوك من عجب لهذه البلاغة التي كملت الفضائل، وفضلت عن العلم وفي الرعيل الأول علم الأوائل، وفضلت مبدعها وحق له التفضيل، وآتته جملة الفضل وفي ضمنها التفضيل، وانطقت لسان بيانه وأخرست كل لسان، وأجرت قلم كرمه وأحرزت كل إحسان، ونشرت علم علمه وأدخلت تحته كل فاضل، وأرهفت شبا حده وقطعت به كل مناظر وكل مناضل، وقالت للسحاب: إليك - وقد طبق - إليك، فإن البحر قد جاءك؛ وللنوء - وقد أغدق - تنح، فإن الطوفان قد ضيق أرجاءك؛ وللرعد وقد صرخ: اسكت، فقد آن لهذه الشقاشق أن تسكت؛ وللبرق وقد نسخ آية الليل: استدرك غلطك، لئلا تبكت؛ أما ترى هذه العلوم

الجمة وقد زخر بحرها، وأثر في الألباب سحرها، وهذه الفضائل وكيف تفننت فنونها، وفتنت عيونها، وتهدلت بالثمرات أفنانها، وتزخرفت بالمحاسن جنانها، وهذه الألمعية وكيف ذهّبت الأصائل، وهذه اللوذعية وما أبقت مقالا لقائل، وهذه البراعة التي فاضت وكلّ منها سكران طافح، وهذه الفصاحة وما غادرت بين الجوانح، وهذه البلاغة التي سالت بأعناق المطي بها الأباطح، وهذه الحكم البوالغ، وهذه النعم السوابغ، وهذه الهمم التي ترقت بتوجهها إلى السماء، فكشفت غياية عارضها، وكفت غواية البرق وقد ولع خط مشيبه بخط عارضها، حتى جلاها وأضحاها، ﴿وَأَغْطَشَ لَيْلَها وَأَخْرَجَ ضُحاها﴾ وجلا صدأ تلك الليلة عن صفيحة ذلك اليوم المشمس، وبدل بذلك الصحو المطبع من ذلك الغيم المؤنس، وأترع غدير ذلك النهار خالصا من الرنق، وضوّع غير ذلك الثرى خاليا من اللثق، وأطلع شمس ذلك اليوم يوشع جانب مشرقها، ويوشي بذائب الذهب رداء أفقها.

كما قلت:

كأنما اليوم وقد موهتمشرقه الشمس ولا جاحد
ثوب من الشرب ولكنهطرّز منه كمّه الواحد

أستغفر الله، بل ذلك بشر ذلك البشر، بل الملك الكريم وصفيحة وجهه المتهلل الوسيم، لا بل صفيحة عمله وصفيحة أمله، وأنموذج راية الثناء عليه، وصنويده البيضاء وصنع يديه؛ فلله تلك اليد المقبلة، ولله تلك اليد المؤملة،

ولله تلك المواهب المجزلة، ولله تلك الراحة التي لا تقاس بأنملة، ولله ذلك البنان الساحر، ولله ذلك البيان الساخر، ولله ذلك اللسان المدرب، وذلك البحر الزاخر، ولله ذلك الإنسان الذي طال باع عمله وطار، فأوقد ضرام ذلك الصحو شعاع فهمه، وطاب جني ثمره وجناب حلمه، وطاف الأرض صيته، ونفق كاسد الفضائل باسمه؛ لقد ألبس المملوك رداء الفخار، وعرّفه العوم وكان لا يطمع أن يشق بحره الزخار، ومحى عنه صبغ دجنة تلك الليلة، وفرج عنه لباس تلك السحب وقد ضم عليه ذيله، وفرق ذلك النور المعتلج وقد جاراه جفنه، وأجرى مثله سبله، وأطلق لسانه من الاعتقال، وأنطق بيانه فقال، وحمى له هجير الذكاء فقال، ووقفه ولولا إيقافه لغبّر على آثاره في وجه من سبق.

فكتب هو الجواب:

جاء الجواب يزف منه فواضلاويرف في روض البيان خمائلا
أغرقت غر السحب حين وصفتهايا من غدا بحرا يموج فضائلا
لو لم تكن يمناك بحرا زاخراما أرسلت تلك السطور جداولا
ضرب من السّحر الحلال متى تشأأخرجته فيعود ضربا داخلا
ما إن جلا راويه بحر بيانهإلا وزان مشاهدا ومحافلا
فمتى يروم به اللحاق مقصّروالنجم أقرب من مداه تناولا
أبرزته أفقا فكل قرينةبرج حوى معناه أفقا كاملا
فكأنما تلك الحروف حدائقأمست معانيها تصيح بلابلا
وكأن ذاك الطرس خد رائقوالسطر فيه غدا عذارا سائلا
مهلا أبا العباس قد أفحمتنيوتركتني بعد التحلي عاطلا
بالله قل لي عند ما سطرتههل كنت تحسب أن تجيب الفاضلا
أقسمت لو جاراك في إنشائهما كان ضم على اليراع أناملا
حركت منك حمية عدويةملأت فضاء الطرس منك جحافلا
كم فيه من لام كلأمة فارسقد هزّ من ألفات خطك ذابلا
هل شئت أن تنشي الجواب سحابةتندى فجاءت منك سيلا سائلا
يا فارس الإنشاء رفقا بالذينازلته يوم الترسل راجلا
لو رام أن يجري وراءك خطوةنصبت له تلك الحروف حبائلا
فاحبس عنانك قد تجاوزت المدىوتركت سحبان الفصاحة باقلا
والفاضل المسكين أصبح فنهمن بعد ما قد راح فينا خاملا
فاسلم لتبليغ النفوس مرامهافالدهر في أبواب فضلك ماثلا
كم فيك لي أمل يروق لأننيأدري بأنك لا تخيب آملا

وكتبت أنا الجواب إليه:

وافى الكمي بها يهز مناصلاويرم صبغا للشبيبة ناصلا
سبق الظلام بها ونبه ليلهولو انه في الفجر حلى العاطلا
حمراء قانية يذوب شعاعهاوترى حصا الياقوت فيها سائلا
حمراء قانية تحث كؤوسهاوقع الصوارم والوشيج الذابلا
ذهبية ما عرق عانة كرمهالكنها كف الكريم شمائلا
كف كمنبجس النوال كأنمادفع السيول تمد منه نائلا
كرم خليلي يمد سماطهويشب نارا للقرى وفواضلا
ولهيب فكر لو تطير شرارةمنه لما بل السحاب الوابلا
يذكي به في كل صبحة قرةفهما لنيران القرائح آكلا
عجبا له من سابق متأخرفات الأواخر ثم فات أوائلا
دانوه في شبه وما قيسوا بهمن ذا تراه للغمام مساجلا
ماثل به البحر الخضم فإنهلا يرتضي خلقا سواه مماثلا
وافت عقيلته ولو بدأ امرؤفيها استقل من البروج معاقلا
جاءت شبيه الخود في حلل لهاحمر بتذهيب الخدود لها حلى
قد خضبت بدم الحسود أما ترىأثر السواد بها عليه دلائلا
حلل على سحبان تسحب ذيلهاوتجر من طرف الذبول الفاضلا
خلت الهلال يلوح طلع نقابهاحتى نضت فرأيت بدرا كاملا
بنت القريحة ما ونت في خدرهاحسن المليحة أن تواصل عاجلا
جاءت تصوغ من العناق أساورالا بل تخوض من السيول خلاخلا
قبلتها وأعدت تقبيلي لهاإن المتيم لا يخاف العاذلا
وأتت وجيش النوء مرهوب السطاملأ الوجود له قنا وقنابلا
والبرق مشبوب الضرام لأنهصاد الغزالة حيث مد حبائلا
وأتت ورأس الطود يشكو لمةقد عممت بالثلج شيبا شاملا
وكأنما نثرت قراضة فضةأيدي البروق وقد خرقن أناملا
ملأت به كل الفضاء فلا ترىإلا لجينا جامدا أو سائلا
والأفق كالكأس المفضض ملؤهصهباء قد عقدت حبابا جائلا
أبناء يوم قد تقهقر ضوؤهوبدا ذبالا في الأصائل ناحلا
والجو منخرق القميص كأنهحنق يقد من السحاب غلائلا
والسيل منحدر يسيل مهنداإفرنده ذهب يمد سلاسلا
لله أنت أبا الصفاء فإننيألقى خليلا منك لي ومخاللا
أنت الذي حلقت صقرا أجدلاوصممت في برديك ليثا باسلا
يا من ينفق سوق كل فضيلةإسأر فما أبقيت بعدك فاضلا

[فكتب هو الجواب]

يا فريدا ألفاظه كالفريدومجيدا قد فاق عبد المجيد
وإمام الأنام في كل علموشريكا في الفضل للتوحيدي
عرف العالمون فضلك بالعل- م وقال الجهال بالتقليد
للشاعر البحتري، من قصيدة «بعض هذا العتاب والتفنيد»
من تمنى بأن يرى لك شبهارام نقضا بالجهل حكم الوجود
طال قدري على السماكين لماجاءني منك [عقد] در نضيد
شابه الدر في النظام ولماشابه السحر شاب رأس الوليد
هو لغز في ذات خدر منيعنزلت في العلى بقصر مشيد
هي أم الأمين ذات المعاليمن بني هاشم ذوي التأييد
أنت كنت البادي لمعناه حقاحين لوحت لي بذكر الرشيد

وهذا آخر من ختمنا به أهل قطرنا أحياء وأمواتا، ولا حفلة بمن تخطيناه فواتا، إذ كان هؤلاء هم أعيان القوم، من أول هذه الملة وإلى اليوم، ممن اشتهر لعلو قدره أو لغلو دره، وثم بقايا ما حلوا مع أحد هذين، ولا كانوا في قسميها اللذين.

وهذه جملة كافية في الكتاب المشارقة، وإنما أطلعنا من شموسهم شارقة، وهي دالة على ما بعدها من نهار يطنب في الخافقين، ويطيب ملائي النيرين الشارقين.

آخر السفر الثاني عشر من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» ويتلوه إن شاء الله تعالى في السفر الثالث عشر،: فأما الكتاب المغاربة، وما لهم من نجوم غير غاربة.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين، وعلى آله وصحبه الطيبين، الطاهرين؛ حسبنا الله ونعم الوكيل. هـ.

السفر الخامس عشر: الشعراء العباسيون من المتنبي إلى ابن الهبارية

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.