من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
أبو الطيب أحمد بن الحسين الجعفي المعروف بالمتنبي
الصفحة ١ من ٢
﷽
وما توفيقي إلاّ بالله، ومنهم:
حكيم الشعراء، وشاعر الحكماء، تكلّم على ألسنة الناس، وعاصر الشعراء فكانوا الذنابى وكان الراس، وافق قول أرسطاطاليس ليس، ووافى بأمثال تلك النواميس، وأثار دفائن تلك النواويس، وثار بما لا ينهض به تلك الأباليس، وأتى بديباج كأنّه أجنحة الطواويس، وتخييل كأنّه لعب الأماني بالمفاليس، وخرّج له الحاتمي حين عاد عليه بوجه الإقبال، وكفّ عن مؤاخذاته رشق النبال جملة أبيات توارد هو وأرسطو على معناها، وتبادر هو وإيّاه إلى مجناها، وأراد أن يتّخذ بيوتا إلاّ أنّ أرسطو ما بناها، والمتنبي بناها، فإن كان قد وقف منها على ما قاله أرسطو فقد أخذه تربا ثم أعاده تبرا يدخر منه سبائك ذهب، وقطرا ثم علّق منه قرطا للؤلؤه جائل حبب، وإن كان ما وقف عليه فهو مفتّق نوره، ومفتّح ثمره، ومدفّق نهره، ومفترع عذاراه، ومفرّع دوحه بما يتلفت إليه على خدّ المليح عذاراه فيكون له بهذا الفضل الأكبر، ويكون هو الأصل الذي جلب الجوهر، أو ما هو به أخبر، لأنّه مخرج خبيّه، ومحوج أمّة الشعراء إلى الإيمان بنبيّه، وعلى هذه السجعة أقول إنّه تنبّأ
بالبادية، ونبا بإفراط ألمعيته وميض مخايله البادية ثم تاب، وبات لا يجد مسلكا إليه العتاب، وقد كان تبعه من بني كلب أهل بادية السماوة قوم أميّون لا يعلمون ما علم الكتاب وخدعه ضلال، ثم زال بحسن المآب، ونام لا يخشى أن يدخل هذا الباطل على سمعه/ من طاقة، ولا على جفنه من باب، ولا يتهافت على ناره تهافت الفراش، ولا يقع على دناياه وقوع الذباب، وكان شمس سماء، وبدر مساء، ومبسم صباح، وموسم صباح، ونبعه زلال، وطلعه هلال، ومركز عوال، ومركب أهوال، ومكتّب خدود بدم لا بغوال ومصوّب أسنّة تمدّ لقبض أرواح لا نوال، وقارع بيض ببيض، وقارن خيل بخيل لها فى كلّ شارقة وميض، وقاري كلّ ذيب ونسر في كلّ أوج وحفيض، وقارض أعمار بظباة سيوف لا قريض، وهذا هو الذي قتله، وإنّما عجّل عليه قول قاله غلامه ليته لا قبله، وهو قوله:
والخيل والليل والبيداء تشهد ليوالطعن والضرب والقرطاس والقلم
وجال البلاد جول القداح، وجاب الآفاق جوب السحاب تقذفه الرياح، وتنقّل بين ملوكها تنقّل الظلّ وتوقّل في غاب مهالكها توقّل الأسد المدلّ حتى كان عندهم أحظى من الغنى وأحفى بالآمال من المنى، وتنافست الملوك على قربه، وعلى انتضاء سيفه المشرفيّ من قربه، واختصّ بسيف الدولة ابن حمدان، ثمّ كان يتجنّى عليه والذنب ذنبه، ويتمنى البعد عنه ولا يعجبه إلاّ قربه، وله مع كافور الاخشيدي ما كان الأليق به غيره في حكم الموافاة، والأجدر به الجميل لو عرفه أو كافاه، ثم اتصل بخدمة عضد الدولة بن بويه ومدحه فأثابه ما أوقر إبله ذهبا، وأوقد مصباحه لهى لا لهبا، ثم كانت هي آخر سفرته، وشدّ ركائبه إلى مقيل حضرته، وكان واسع الرواية، مطّلعا على اللغة إلى غاية، وقد حكي عن أبي علي الفارسي لمّا سأله تلك الحكاية وجده لا يقارب ولا يساوى، ولا يقاوم ولا يقاوى/ ولا تترشفه المسامع إلاّ عادت القلوب نشاوى، ولا تغاير به الكواكب إلاّ ترامت
ساقطة تتهاوى وكان كثير الولوع بديوان أبي تمام حبيب بن أوس، والنزوع منه لسهام لا ترمى بها حنيّة قوس، ثمّ كان ولع أبي العلاء المعري به مثل ولعه بأبي تمام لا يسأم طرفه الطارق له من إلمام.
حكى ابن خلكان أنّ المعري لما فرغ من تصنيف كتابه اللامع العزيزي في شرح شعر المتنبي، وقرئ عليه أخذ الجماعة في وصفه، فقال: كأنّما نظر المتنبي إليّ بلحظ الغيب حيث يقول:
أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبيوأسمعت كلماتي من به صمم
وقد ذكره الثعالبي في اليتيمة فقال: هو وإن كان كوفيّ المولد شامي المنشأ، وبها تخرّج، وفيها خرج. نادرة الفلك، وواسطة عقد الدهر في صناعة الشعر، ثم هو شاعر سيف الدولة المنسوب إليه المشهور به، إذ هو الذي جذب بضبعه، ورفع من قدره، ونفّق من شعره فألقى عليه شعاع سعادته حتى سار ذكره مسير الشمس والقمر، وسافر كلامه في البدو والحضر، وكادت [الليالي] تنشده، والأيام تحفظه، كما قال وأحسن ما شاء:
وما الدهر إلاّ من رواة قصائديإذا قلت شعرا أصبح الدهر منشدا
فسار به من لا يسير مشمّراوغنّى به من لا يغنّي مغرّدا
وكما قال:
ولي فيك ما لم يقل قائلوما لم يسر قمر حيث سارا
وعندي لك الشرّد السائرات لا يختصصن من الأرض دارا
/ إذا سرن من مقولي مرّةوثبن الجبال. وخضن البحارا
ثمّ قال، أعني الثعالبي: وليس اليوم مجالس الدرس أعمر بشعر أبي الطيب من مجالس الأنس، ولا أقلام كتّاب الرسائل أشغل به من كتب المؤلفين والمصنفين، وقد ألّفت الكتب في تفسيره، وحلّ مشكله وعويصه، وكسرت الدفاتر على ذكر جيّده وردّيه، وتكلّم الأفاضل في الوساطة بينه وبين خصومه، والإفصاح عن أبكار كلامه وعونه، وتفرّقوا فرقا في مدحه، وذمّه، والقدح فيه والنصح عنه، والتعصّب له وعليه، وذلك أدلّ الدلائل على وفور فضله، وتقدّم قدمه، وتفرّده عن أهل زمانه بملك رقاب القوافي، ورقّ المعاني، والكامل من عدّت سقطاته، والسعيد من حسبت هفواته، وما زالت الأملاك تهجى وتمدح. وانتهى كلام الثعالبي.
ولعمري لقد أوردها مشتملا، وذاد لها مرعى خضلا، واستصحب الحال في إعجاب الناس به من ذلك الزمان وهلم جرا وإلى الآن حتى بلغت شروحه أربعين شرحا، فمن بين بان له صرحا، وبين مبالغ فيه جرحا، وإنّه لمنقطع القرين، وليث في عرين، ولولا خشية مستدرك لا يدري ما ضمير الشأن لأضربنا عن انتقاء شعره في هذا الديوان اكتفاء بشهرته في الأذهان، وعملا على أنّه الشمس لا تخفى بكلّ مكان، وإذا كان لا بدّ من الذّكر فمن مخترعه البكر، وأبياتها التي ليس لأحد عليها حكر، قوله في الحكم والآداب والمواعظ:
الرأي قبل شجاعة الشجعانهو أوّل وهي المحلّ الثاني
/ فإذا هما اجتمعا لنفس مرّةبلغت من العلياء كلّ مكان
ولربّما طعن الفتى أقرانهبالرأي قبل تطاعن الأقران
لولا العقول لكان أدنى ضيغمأدنى إلى شرف من الإنسان
ولما تفاضلت النفوس ودبّرتأيدي الكماة عوالي المرّان
وقوله:
ذو العقل يشقى في النعيم بعقلهوأخو الجهالة في الشّقاوة ينعم
والناس قد نبذوا الحفاظ فمطلقينسى الذي يولي وعاف يندم
لا يخد عنّك من عدوّ دمعهوارحم شبابك من عدوّ ترحم
لا يسلم الشرف الرفيع من الأذىحتى يراق على جوانبه الدّم
والظّلم من شيم النفوس فإن تجدذا عفّة فلعلّة لا يظلم
ومن البليّة عذل من لا يرعويعن جهله وخطاب من لا يفهم
ومن العداوة ما ينالك نفعهومن الصّداقة ما يضرّ ويؤلم
وقوله:
يهون على مثلي إذا رام حاجةوقوع العوالي دونها والقواضب
كثير حياة المرء مثل قليلهايزول وباقي عيشها مثل ذاهب
إليك فإنّي لست ممّن إذا اتّقىعضاض الأفاعي نام فوق العقارب
إذا لم تكن نفس النسيب كأصلهفماذا الذي يغني كرام المناسب
وقوله:
إذا غامرت في شرف مرومفلا تقنع بما دون النجوم
/ فطعم الموت في أمر حقيركطعم الموت في أمر عظيم
وكلّ شجاعة في المرء تغنيولا مثل الشجاعة في الحكيم
وكم من عائب قولا صحيحاوآفته من الفهم السقيم
ولكن تأخذ الآذان منهعلى قدر القرائح والعلوم
وقوله:
وما منزل اللّذات عندي بمنزلإذا لم أبجّل عنده وأكرّم
إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونهوصدّق ما يعتاده من توهّم
وعادى محبّيه بقول عداتهوأصبح في ليل من الشّك مظلم
أصادق نفس المرء من قبل جسمهوأعرفها في فعله والتكلّم
وأحلم عن خلّي وأعلم أنّهمتى أجزه حلما على الجهل يندم
وما كلّ هاو للجميل بفاعلولا كلّ فعّال له بمتمّم
وأحسن وجه في الورى وجه محسنوأيمن كف فيهم كفّ منعم
وأشرفهم من كان أشرف همّةوأكبر إقداما على كلّ معظم
لمن تطلب الدنيا إذا لم ترد بهاسرور محب أو مسآة مجرم
وقوله:
وأتعب خلق الله من زاد همّهوقصّر عمّا تشتهي النفس وجده
فلا مجد في الدنيا لمن قلّ مالهولا مال في الدنيا لمن قلّ مجده
وقوله:
لا تلق دهرك إلاّ غير مكترثما دام يصحب فيه روحك البدن
فما يدوم سرور ما سررت بهولا يردّ عليك الفائت الحزن
/ ما كلّ ما يتمنى المرء يدركهتجرى الرياح بما لا تشتهي السّفن
وقوله:
فلا تغررك ألسنة موالتقلبّهنّ أفئدة أعادي
فإنّ الجرح ينخر بعد حينإذا كان البناء على فساد
وإنّ الماء يجري من جمادوإنّ النار تخرج من رماد
وقوله:
وإنّي لنجم يهتدي صحبتي بهإذا حال من دون النجوم سحاب
غنيّ عن الأوطان لا تستخفّنيإلى بلد سافرت عنه إياب
وأصدى ولا أبدي إلى الماء حاجةوللشمس فوق اليعملات لعاب
وللسّر منّي موضع لا ينالهنديم ولا يفضي إليه شراب
وما العشق إلاّ غرّة وطماعةيعرّض قلب نفسه فتصاب
وغير فؤادي للغواني رمّيةوغير بناني للزجاج ركاب
تركنا لأطراف القنا كلّ شهوةفليس لنا إلاّ بهنّ لعاب
أعزّ مكان في الدّنا سرج سابحوخير جليس في الزمان كتاب
وقوله:
إذا صديق نكرت جانبهلم تعيني في فراقه الحيل
في سعة الخافقين مضطربوفي بلاد من أختها بدل
أبلغ ما يطلب النجاح به الطّبع وعند التعمّق الزلل
وقوله:
ومن ينفق الساعات في جمع مالهمخافة فقر فالذي فعل الفقر
/ وإنّي رأيت الضرّ أحسن منظراوأهون من مرأى صغير به كبر
وقوله:
أبدو فيسجد من بالسوء يذكرنيولا أعاتبه صفحا وإهوانا
وهكذا كنت في أهلي وفي وطنيإنّ النفيس غريب حيثما كانا
محسّد الفضل مكذوب على أثريألقى الكميّ ويلقاني إذا حانا
لا أشرئبّ إلى ما لم يفت طمعاولا أبيت على ما فات حسرانا
ولا أسرّ بما غيري الحميد بهولو حملت إليّ الدرّ ملآنا
وقوله:
كلّ حلم أتى بغير اقتدارحجّة لا جئ إليها اللئام
من يهن يسهل الهوان عليهما لجرح بميّت إيلام
واحتمال الأذى ورؤية جانيهـ غذاء تضوى به الأجسام
وقوله:
إذا الجود لم يرزق خلاصا من الأذىفلا الحمد مكسوبا ولا المال باقيا
وللنفس اخلاق تدلّ على الفتىأكان سخاء ما أتى أم تساخيا
وقوله:
وما قتل الأحرار كالعفو عنهمومن لك بالحرّ الذي يحفظ اليدا
إذا أنت أكرمت الكريم ملكتهوإن أنت أكرمت اللئيم تمرّدا
ووضع النّدى في موضع السيف بالعلامضرّ كوضع السيف في موضع الندى
ومن يجعل الضرغام للصيد بازهتصيّده الضرغام فيما تصيّدا
وقوله:
وما الحسن في وجه الفتى شرفا لهإذا لم يكن في فعله والخلائق
/ وجائزة دعوى المحبّة والهوىوإن كان لا يخفى كلام المنافق
وما يوجع الحرمان من كفّ حارمكما يوجع الحرمان من كفّ رازق
وقوله:
وما الخيل إلاّ كالصديق قليلةوإن كثرت في عين من لا يجرّب
إذا لم يشاهد غير حسن شياتهاوأعضائها فالحسن عنك مغيّب
وكلّ امرئ يولي الجميل محبّبوكلّ مكان ينبت العزّ طيّب
وقوله:
وإذا ما خلا الجبان بأرضطلب الطعن وحده والنزالا
من أطاق التماس شئ غلاباواغتصابا لم يلتمسه سؤالا
كلّ غاد لحاجة يتمنّىأن يكون الغضنفر الرئبالا
وقوله:
وكلّ طريق أتاه الفتىعلى قدر الرجل فيه الخطا
ومن جهلت نفسه قدرهيرى غيره منه ما لا يرى
وقوله:
ذريني أنل ما لا ينال من العلىفصعب العلى للصعب والسهل للسهل
تريدين لقيان المعالي رخيصةولا بدّ دون الشهد من إبر النّحل
وقوله:
لولا المشقّة ساد الناس كلّهمالجود يفقر والإقدام قتّال
وإنّما يبلغ الانسان طاقتهما كلّ ماشية بالرّجل شملال
إنّا لفي زمن ترك القبيح بهمن أكثر الناس إحسان وإجمال
/ ذكر الفتى عمره الثاني وحاجتهما قاته وفضول العيش أشغال
وقوله:
أنف الكريم من الدنيّة تاركفي عينه العدّ الكثير قليلا
والعار مضّاض وليس بخائفمن حتفه من خاف ممّا قيلا
وقوله:
وفي الأحباب مختصّ بوجدوآخر يدّعي معه اشتراكا
إذا اشتبكت دموع في خدودتبيّن من بكى ممّن تباكى
وقوله:
يجني الغنى للّئام لو عقلواما ليس يجنى عليهم العدم
هـ) م لأموالهم وليس لهموالعار يبقى والجرح ملتئم
وقوله:
والغنى في يد اللئيم قبيحمثل قبح الكريم في الإملاق
إلف هذا الهواء أوقع في الأنفس أنّ الحمام مرّ المذاق
والأسى قبل فرقة الروح عجزوالأسى لا يكون قبل الفراق
وقوله:
إنّما تنجح المقالة في المرء إذا وافقت هوى في الفؤاد
وإذا الحلم لم يكن في طباعلم يحلّم تقادم الميلاد
وإذا كان في الأنابيب خلفوقع الطّيش في صدور الصعاد
وقوله:
إنّي لأجبن من فراق أحبّتيوتحسّ نفسي بالحمام فتشجع
ويزيدني غضب الأعادي قسوةويلمّ بي عتب الصديق فأجزع
تصفو الحياة لجاهل أو غافلعمّا مضى فيها وما يتوقّع
/ ولمن يغالط في الحقائق نفسهويسومها طلب المحال فتطمع
أين الذي الهرمان من بنيانهما قومه؟ ما يومه؟ ما المصرع؟
تتخلّف الآثار عن أصحابهاحينا ويدركها الفناء فتتبع
وقوله:
نبكي على الدنيا وما من معشرجمعتهم الدنيا فلم يتفرّقوا
أين الأكاسرة الجبابرة الألىكنزوا الكنوز فما بقين ولا بقوا
من كلّ من ضاق الفضاء بجيشهحتى ثوى فحواه لحد ضيّق
والموت آت والنفوس نفائسوالمستغرّ بما لديه الأحمق
وقوله: أبيات مفردة منتزعة من قصائده تليق بهذا الموضع، منها:
تفانى الرجال على حبّهاوما يحصلون على طائل
ومنها:
وإذا كانت النفوس كباراتعبت في مرادها الأجسام
ومنها:
إذا اعتاد الفتى خوض المنايافأهون ما يمرّ به الوحول
ومنها:
بذا قضت الأيام ما بين أهلهامصائب قوم عند قوم فوائد
ومنها:
وليس يصحّ في الأفهام شيءإذا احتاج النهار إلى دليل
ومنها:
وكلّ أنابيب القنا مدد لهوما تنكت الفرسان إلاّ العوامل
وفي شكوى الزمان وأهله والفخر، قوله:
كفى بك داء أن ترى الموت شافياوحسب المنايا أن يكنّ أمانيا
تمنّيتها لما تمنّيت أن ترىصديقا فأعيا أو عدوّا مداجيا
إذا كنت ترضى أن تعيش بذلّةفلا تستعدّنّ الحسام اليمانيا
/ ولا تستطيلنّ الرماح لغارةولا تستجيدنّ العتاق المذاكيا
فما ينفع الأسد الحياء من الطّوىولا تتّقى حتى تكون ضواريا
حببتك قلبي قبل حبّك من نأىوقد كان غدّارا فكن لي موافيا
وأعلم أنّ البين يشكيك بعدهفلست فؤادي إن رأيتك شاكيا
أقلّ اشتياقا أيّها القلب ربّمارأيتك تصفي الودّ من ليس جازيا
وقوله:
أطاعن خيلا من فوارسها الدّهروحيدا وما قولي كذا ومعي الصبر
وأشجع منّي كلّ يوم سلامتيوما ثبتت إلاّ وفي نفسها أمر
تمرّست بالآفات حتى تركتهاتقول: أمات الموت أم ذعر الذّعر
وأقدمت إقدام الأتيّ كأنّ ليسوى مهجتي أو كان لي عندها وتر
ذر النّفس تأخذ وسعها قبل بينهافمفترق جاران دارهما العمر
ولا تحسبنّ المجد زقّا وقينةفما المجد إلاّ السيف والفتكة البكر
وقوله:
فؤاد ما تسلّيه المداموعمر مثل ما تهب اللئام
ودهر ناسه ناس صغاروإن كانت لهم جثث جسام
وما أنا منهم بالعيش فيهمولكن معدن الذّهب الرّغام
أرانب غير أنّهم ملوكمفتّحة عيونهم نيام
خليلك أنت لا من قلت خلّيوإن كثر التّجمّل والكلام
ولو حيز الحفاظ بغير عقلتجنّب عنق صيقله الحسام
/ وشبه الشيء منجذب إليهوأشبهنا بدنيانا الطّغام
ولو لم يعل إلاّ ذو محلّتعالى الجيش وانحطّ القتام
وقوله:
كيف الرّجاء من الخطوب تخلّصامن بعد ما أنشبن فيّ مخالبا
ونصبنني غرض الرّماة تصيبنيمحن أحد من السيوف مضاربا
أظمتني الدّنيا فلمّا جئتهامستسقيا مطرت عليّ مصائبا
وقوله:
أرى المتشاعرين غروا بذمّيومن ذا يحمد الدّاء العضالا
ومن يك ذا فم مرّ مريضيجد مرّا به الماء الزلالا
وقوله:
ومن تكن الأسد الضواري جدودهيكن ليله صبحا ومطعمه غصبا
ولست أبالي بعد إدراكي العلاأكان تراثا ما تناولت أم كسبا
أرى كلّنا يبغي الحياة بسعيهحريصا عليها مستهاما بها صبّا
فحبّ الجبان النّفس أورده البقاوحبّ الشجاع الحرب أورده الحربا
ويختلف الرّزقان والفعل واحدإلى أن يرى إحسان هذا لذا ذنبا
وقوله:
أعزمي طال هذا الليل فانظرأفيك الصبح يفرق أن يؤوبا
/ كأنّ الفجر حبّ مستزاريراعي من دجنّته رقيبا
كأن نجومه حلي عليهوقد حذيت قوائمه الجبوبا
كأنّ الجوّ قاسى ما أقاسيفصار سواده فيه شحوبا
أقلّب فيه أجفاني كأنّيأعدّ بها على الدّهر الذنوبا
وما ليل بأطول من نهاريظلّ بلحظ حسّادي مشوبا
وما موت بأبغض من حياةأرى لهم معي فيها نصيبا
عرفت نوائب الحدثان حتّىلو [انتسبت] لكنت لها نسيبا
وقوله:
من الحلم أن تستعمل الجهل دونهإذا اتّسعت في الحلم طرق المظالم
وإن ترد الماء الذي شطره دمفتسقى إذا لم يسق من لم يزاحم
ومن عرف الأيام معرفتي بهاوبالناس روّى رمحه غير راحم
فليس بمرحوم إذا ظفروا بهولا في الرّدى الجاري عليهم بآثم
إذا صلت لم أترك مصالا لصائلوإن قلت لم أترك مقالا لعالم
وقوله:
غيري بأكثر هذا النّاس ينخدعإن قاتلوا جبنوا أو حدّثوا شجعوا
أهل الحفيظة إلاّ أن تجرّبهموفي التجارب بعد الغيّ ما يزع
ليس الجمال بوجه صحّ مارنهأنف العزيز بقطع العزّ ينجدع
أأطرح المجد عن كتفي وأطلبهوأترك الغيث في غمدي وأنتجع
والمشرفيّة لا زالت مشرّفةدواء كلّ كريم أو هي الوجع
/ لقد أباحك غشّا في معاملةمن كنت منه بغير الصّدق تنتفع
وقوله:
ومن نكد الدنيا على المرء أن يرىعدّوا له ما من صداقته بدّ
تلجّ دموعي بالجفون كأنّماجفوني لعيني كلّ باكية خدّ
وإنّي لتغنيني من الماء نغبةوأصبر عنه مثلما تصبر الرّبد
وقوله:
ألحّ عليّ السقم حتى ألفتهوملّ طبيبي جانبي والعوائد
أهمّ بشيء والليالي كأنّهاتطاردني عن كونه وأطارد
وحيد من الخلاّن في كلّ بلدةإذا عظم المطلوب قلّ المساعد
وأورد نفسي والمهنّد في يديموارد لا يصدرن من لا يجالد
ولكن إذا لم يحمل القلب كفّهعلى حاله لم يحمل الكفّ ساعد
وقوله:
أعادي على ما يوجب الحبّ للفتىوأهدأ والأفكار فيّ تجول
سوى وجع الحسّاد داو فإنّهإذا حلّ في قلب فليس يحول
ولا تطمعن من حاسد في مودّةوإن كنت تبديها له وتنيل
وإنّا لنلقى الحادثات بأنفسكثير الرزايا عندهنّ قليل
يهون علينا أن تصاب جسومناوتسلم أعراض لنا وعقول
وقوله:
وأسرع مفعول فعلت تغيّراتكلّف شيء في طباعك ضدّه
/ وفي النّاس من يرضى بميسور عيشهومركوبه رجلاه والثوب جلده
ولكنّ قلبا بين جنبيّ مالهمدى ينتهي بي في مراد أحدّه
وإنّي إذا باشرت أمرا أريدهتدانت أقاصيه وهان أشدّه
وقوله:
أما تغلط الأيام فيّ بأن أرىصديقا تنآئى أو حبيبا تقرّب
لحا الله ذي الدنيا مناخا لراكبفكلّ بعيد الهمّ فيها معذّب
ألا ليت شعري هل أقول قصيدةفلا أشتكي فيها ولا أتعتّب
وبي ما يذود الشعر عنّي أقلّهولكنّ قلبي يا ابنة القوم قلّب
أحنّ إلى أهلي وأهوى لقاءهموأين من المشتاق عنقاء مغرب
وقوله:
بم التعلّل لا أهل ولا وطنولا نديم ولا كأس ولا سكن
أريد من زمني ذا أن يبلّغنيما ليس يبلغه من نفسه الزمن
ممّا أضرّ بأهل العشق أنّهمهووا وما عرفوا الدنيا ولا فطنوا
تفنى عيونهم دمعا وأنفسهمفي إثر كلّ قبيح وجهه حسن
وقوله:
ولو أنّ ما بي من حبيب مقنّععذرت ولكن من حبيب معمّم
رمى واتّقى رميي ومن دون ما اتقىهوى كاسر كفّي وقوسي وأسهمي
وقوله:
صحب النّاس قبلنا ذا الزّماناوعناهم من شأنه ما عنانا
وتوفّوا بغصّة كلّهم منهـ وإن سرّ بعضهم أحيانا
/ ربّما تحسن الصّنيع لياليهـ ولكن تكدّر الإحسانا
وكأنّا لم يرض فينا بريب الدّهر حتى أعانه من أعانا
كلّما أنبت الزمان قناةركّب المرء في القناة سنانا
ومراد النفوس أصغر من أنتتعادى فيه وأن تتفانى
غير أنّ الفتى يلاقي المناياكالحات ولا يلاقي الهوانا
ولو انّ الحياة تبقى لحيّلعددنا أضلّنا الشجعانا
وإذا لم يكن من الموت بدّفمن العجز أن تكون جبانا
وقوله:
ولمّا صار حبّ الناس خبّاجزيت عن ابتسام بابتسام
وصرت أشكّ فيمن أصطفيهلعلمي أنّه بعض الأنام
وآنف من أخي لأبي وأمّيإذا ما لم أجده من الكرام
أرى الأجداد تغلبها كثيراعلى الأولاد أخلاق اللئام
ولم أر في عيوب النّاسى شيئاكنقص القادرين على التمام
أقمت بأرض مصر فلا ورائيتخبّ بي الركاب ولا أمامي
وملّني الفراش وكان جنبييملّ لقاءه في كلّ عام
قليل عائدي سقم فؤاديكثير حاسدي صعب مرامي
منها يذكر الحمّى:
وزائرتي كأنّ بها حياءفليس تزور إلاّ في الظلام
بذّلت لها المطارف والحشايافعافتها وباتت في عظامي
/ يضيق الجلد عن نفسي وعنهافتوسعه بأنواع السّقام
إذا ما فارقتني غسّلتنيكأنّا عاكفان على حرام
كأنّ الصّبح يطردها فتجريمدامعها بأربعة سجام
أراقب وقتها من غير شوقمراقبة المشوق المستهام
ويصدق وعدها والصّدق شرّإذا ألقاك في الكرب العظام
أبنت الدّهر عندي كلّ بنتفكيف وصلت أنت من الزحام
جرحت مجرّحا لم يبق فيهمكان للسيوف ولا السهام
يقول لي الطّبيب أكلت شيئاوداؤك في شرابك والطعام
وما في ظنّه أنّي جوادأضرّ بجسمه طول الجمام
فإن أمرض فما مرض اصطباريوإن أجمم فما جمّ اعتزامي
وإن أسلم فما أبقى ولكنسلمت من الحمام إلى الحمام
تمتّع من سهاد أو رقادولا تأمن كرى تحت الرّجام
فإنّ لثالث الحالين معنىسوى معنى انتباهك والمنام
وقوله:
وما أدري أذا داء حديثأصاب النّاس أم داء قديم
إذا أتت الإساءة من وضيعولم ألم المسيء فمن ألوم
وقوله:
إذا ما الناس جرّبهم لبيبفإنّي قد أكلتهم وذاقا
فلم أر ودّهم إلاّ خداعاولم أر دينهم إلاّ نفاقا
وقوله:
لم يترك الدّهر من قلبي ولا كبديشيئا تتيّمه عين ولا جيد
/ يا ساقييّ أخمر في كؤوسكماأم في كؤوسكما همّ وتسهيد
أصخرة أنا مالي لا تغيّرنيهذي المدام ولا هذي الأغاريد
إذا أردت كميت اللّون صافيةوجدتها وحبيب النّفس مفقود
ما ذا لقيت من الدنيا وأعجبهاأنّي بما أنا باك منه محسود
وقوله:
توهّم القوم أنّ العجز قرّبناوفي التقرّب ما يدعو إلى التّهم
ولم تزل قلّة الإنصاف قاطعةبين الرجال ولو كانوا ذوي رحم
هوّن على بصر ما شقّ منظرهفإنّما يقظات العين كالحلم
ولا تشكّ إلى خلق فتشمتهشكوى الجريح إلى العقبان والرخم
وكن على حذر للناس تسترهولا يغرك منهم ثغر مبتسم
غاض الوفاء فما تلقاه في عدةوأعوز الصدق في الأخبار والقسم
أتى الزمان بنوه في شبيبتهفسرّهم وأتيناه على الهرم
وقوله:
وغيظ على الأيام كالنار في الحشاولكنّه غيظ الأسير على القدّ
وليس حياء الوجه في الذئب شيمةولكنّه من شيمة الأسد الورد
إذا لم تجزهم دار قوم مودّةأجاز القنا والخوف خير من الودّ
وقوله:
ليس التعلّل بالآمال من إربيولا القناعة بالإقلال من شيمي
ولا أظنّ بنات الدهر تتركنيحتى تسدّ عليها طرقها هممي
/ لأتركنّ وجوه الخيل ساهمةوالحرب أقوم من ساق على قدم
ردي حياض الردى يا نفس واتّركيحياض خوف الردى للشاء والنعم
إن لم أذرك على الأرماح سائلةفلا دعيت ابن أمّ المجد والكرم
أيملك الملك والأسياف ظامئةوالطير جائعة لحم على وضم
من لو رآني ماء مات من ظمأولو مثلث له في النوم لم ينم
وقوله:
أذاقني زمني بلوى شرقت بهالو ذاقها لبكى ما عاش وانتحبا
وإن عمرت جعلت الحرب والدةوالسمهريّ أخا والمشرفيّ أبا
بكلّ أشعث يلقى الموت مبتسماحتى كأنّ له في قتله إربا
الموت أعذر لي والصبر أجمل بيوالبرّ أوسع والدنيا لمن غلبا
وقوله:
أنا صخرة الوادي إذا ما زوحمتوإذا نطقت فإنّني الجوزاء
وإذا خفيت عن الغبيّ فعاذرأن لا تراني مقلة عمياء
[وقوله]:
وأتعب من ناداك من لا تجيبهوأغيظ من عاداك من لا تشاكل
وما التيه طبّي فيهم غير أنّهبغيض إليّ الجاهل المتعاقل
وقوله:
كن أيها السجن كيف شئت فقدوطنّت للموت نفس معترف
لو كان سكناي فيك منقصةلم يكن الدرّ ساكن الصدف
وقوله:
إنّي وإن لمت حاسديّ فماأنكر أنّي عقوبة لهم
/ وكيف لا يحسد امرؤ علمله على كلّ هامة قدم
كفاني الذمّ أنني رجلأكرم مال ملكته الكرم
وقوله:
ما بقومي شرفت بل شرفوا بيوبنفسي فخرت لا بجدودي
أنا ترب العلى وربّ القوافيوسمام العدا وغيظ الحسود
وقوله:
أنكرت طارقة الليالي مرةثمّ اعترفت بها فصارت ديدنا
وفي النسيب قوله:
تذكّرت ما بين العذيب وبارقمجرّ عوالينا ومجرى السوابق
وصحبة قوم يذبحون قنيصهمبفضلات ما قد كسّروا في المفارق
وليلا توسّدنا الثويّة تحتهكأنّ ثراها عنبر في المرافق
بلاد إذا زار الحسان بغيرهاحصى تربها ثقّبنه للمخانق
سقتني بها القطر بّليّ مليحةعلى كاذب من وعدها ضوء صادق
سهاد لأجفان وشمس لناظروسقم لأبدان ومسك لناشق
وقوله:
أحيا وأيسر ما قاسيت ما قتلاوالبين جار على ضعفي وما عدلا
والوجد يقوى كما يقوى النوى أبداوالصّبر ينحل في جسمي كما نحلا
لولا مفارقة الأحباب ما وجدتلها المنايا إلى أرواحنا سبلا
وقوله:
إن كان أغناها السلوّ فإنّنيأمسيت من كبدي ومنها معدما
غصني على نقوي فلاة نابتشمس النهار تقلّ ليلا مظلما
/ وقوله:
أبلى الهوى أسفا يوم النّوى بدنيوفرّق الهجر بين الجفن والوسن
روح تردّد في مثل الخلال إذاأطارت الريح عنه الثوب لم يبن
كفى بجسمي نحولا أنّني رجللولا مخاطبتي إيّاك لم ترني
وقوله:
حشاشة نفس ودّعت يوم ودّعوافلم أدر أيّ الظاعنين أشيّع
أشاروا بتسليم فجدنا بأنفستسيل من الآماق والسقم أدمع
ولو حمّلت صمّ الجبال الذي بناغداة افترقنا أوشكت تتصدّع
حشاي على جمر ذكيّ من الهوىوعيناي في روض من الحسن ترتع
فيا ليلة ما كان أطول بتّهاوسمّ الأفاعي عذب ما أتجرّع
تذلّل لها واخضع على القرب والنوىفما عاشق من لا يذلّ ويخضع
وقوله:
وأنا الذي اجتلب المنية طرفهفمن المطالب والقتيل القاتل
إنعم ولذّ فللأمور أواخرأبدا إذا كانت لهنّ أوائل
ما دمت من أرب الحسان فإنّماروق الشباب عليك ظلّ زائل
للّهو آونة تمرّ كأنّهاقبل تزوّدها حبيب راحل
وقوله:
حاش الرقيب فخانته ضمائرهوغيّض الدمع فانهلّت بوادره
وكاتم الحبّ يوم البين منهتكوصاحب الدمع لا تخفى سرائره
أعارني سقم جفنيه وحمّلنيمن الهوى ثقل ما تحوي مآزره
/ من بعد ما كان ليلي لا صباح لهكأنّ أول يوم الحشر آخره
وقوله:
فمن شاء فلينظر إليّ فمنظرينذير إلى من ظنّ أنّ الهوى سهل
وما هي إلاّ لحظة بعد لحظةإذا نزلت في قلبه رحل العقل
جرى حبها مجرى دمي في مفاصليفأصبح لي عن كلّ شغل بها شغل
ومن جسدي لم يترك السقم شعرةفما فوقها إلاّ وفيها له فعل
كأنّ رقيبا منك سدّ مسامعيعن العذل حتى ليس يدخلها العذل
كأنّ سهاد الليل يعشق مقلتيفبينهما في كلّ هجر لنا وصل
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع