من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
وأما خروج عبد الله بن المعتز عليه
وكان سببه أنه لما ولي المقتدر، استصغر، فجاء محمد بن داود الوزير فأخرجه من داره إلى دار إبراهيم الماذرائي، ووجهوا إلى القاضي محمد بن يوسف، يوم السبت العشرين من ربيع الآخر سنة ست وتسعين ومائتين، وحضر جماعة العلماء والقواد، فخلعوا المقتدر وبايعوا ابن المعتز إلا بعضهم، ولقب بالمنتصف بالله، المنتصف بالله، فلما أذنت المغرب ضربت الدبادب له، وضربت من قصر المقتدر، واشتغل الوزير بكتب الكتب إلى النواحي، وكاد الأمر أن يتم لو أراده الله، فنقض العزائم وأبطل التدبير، لأن سوسن الحاجب كان قد عاقد ابن المعتز على أن يكون حاجبه ويمكنه من المقتدر، فبلغه في تلك الليلة أن ابن المعتز استخلص يمنا الكيفوني فجاء به، فانتقض سوسن عليه، وأحكم الأمر للمقتدر، فلما أصبح ابن المعتز خرج قاصدا قصر المقتدر، فلما بلغ الحسنى خرج عليه العبيد والرجالة فمنعوهم، وأعانهم العامة، فرجع ابن المعتز إلى داره، وعلم من أين أصيب، ثم أن المقتدر جهز جيشا غريبا في الخيل والرجال، فأحاطوا [ص] بدار ابن المعتز، ففر من كان فيها، وبقي ابن المعتز وحده، فتسلل هو ووزيره، وثبت الحسين بن حمدان، فقاتلهم إلى الظهر، فأصابه سهم، ففر إلى
داره، وأخذ منها ما يريد، ثم خرج إلى سر من رأى، وأما ابن المعتز فإنه هرب، وأتى دار ابن الجصاص الجوهري، وكان ممن بايعه، فعرف خادم، فنمّ به، فأخذ وألقي في صهريج ثلج فمات به، وهو ذو الأدب الغض والتشبيه المصيب، ومن بدائعه قوله:
وجردت من أعمال كلّ مرهف إذا ماانتضته الكفّ كاد يسيل
ترى فوق متنيه الفرند كأنماتنفس فيه القين وهو صقيل
وقوله:
ظبي مخلّى من الأحزان ودعنيما يعلم اللهف من حزن ومن قلق
كأنه وكأنّ الكأس في يدههلال أول شهر غاب في شفق
وقوله:
قد انقضت دولة الصيام وقدبشّر سقم الهلال بالعيد
يتلو الثريا كفاغر شرهيفتح فاه لأكل عنقود
وقوله:
إذا ما طعنا بطون الدنان سال دم الكرم منهنّ سورا
كأنّ خراطيمها في الزجاجخراطيم نحل ينقّين نورا
وقوله:
ولما تلاقينا وهزت رماحناوجرّد منها كلّ أبيض باتر
رأوا معشرا لا يبصر الموت غيرهمفما برحوا إلا برجم الحوافر
ولما بويع ابن المعتز، دخل على أبي جعفر الطبري، فقال له: كيف تركت الناس؟ قال: بويع عبد الله بن المعتز، قال: فمن رشح للوزارة؟ فقال: محمد بن داود الجراح [ص]، قال: فمن ذكر للقضاء؟ قال: الحسن بن المثنى، فأطرق قليلا ثم قال: هذا أمر لا يتم ولا ينتظم، فقيل له: وكيف؟ قال: لأن كل واحد من هؤلاء متقدم في معناه على أبناء جنسه، والزمان مدبر، والدنيا مولية، وكان هذا على ما قال، ولم يكن في ابن المعتزما يعاب به سوى نقص حظه، وكمال أدبه.
وكان سبب قتل المقتدر بموضع يعرف بالتل، فجعل يوجه نحو باب الشماسية أن يأتيه جنده منها والناس في ذلك يتسللون نحو
مؤنس، وكان مؤنس قد جاء ليصرفه المقتدر في مهماته، غير أنه من كان يحسبه مؤنسا، أغروه به، وقالوا له: إنما جاء ليقتلك، ولكن غلب عليه عبيده، وكانوا قد غضوا بمؤنس، وقالوا له إما أن تخرج لقتاله، وإلا أخذناك وسلمناك إليه، فخرج وهو مكره، وقد كانت أمه تمنعه، فلما لم ير بدّا من الخروج ودع أمه، وتمثل بقول ابن الرومي:
طامن حشاك فانّ دهرك موقعبك ما تحبّ من الأمور وتكره
وإذا حذرت من الأمور مقدرافهربت منه فنحوه تتوجه
فلما خرج إليه جعل أصحابه يتسللون منه، حتى بقي وحده، فقصده عبد أسود، فضربه على عاتقه، فصاح: ما هذا ويلك، ثم تعاوده حتى قتله بالضرب، ثم أمسك مؤنس قاتله وقتله، إذ لم يكن غرض مؤنس قتله، وإنما غرضه أن يكون صاحب أمره، وإنما المقادير تنفذ أحبّ العبد أم كره.
ثم:
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع