من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
دولة الراضي بالله
أبي العباس محمد بن جعفر المقتدر، وكان مطاعا صؤولا، قطاعا وصولا، وهو آخر من جمع من الخلفاء شعره في ديوان، وجلس لهم جلوسا عاما في إيوان، وقام خطيبا على المنبر، وفعل أفعال من برّ، وحاضر الندماء، وسامره منهم كواكب ثقلها الأرض لا السماء، وكان يتحرى عوائد سلفه في ترتيب الخلائف، وتبويب الوظائف، وكان عارفا بلغة العرب، عاكفا على ما لا حرج فيه من الأرب، مولعا بالأدب، ولوع القشيري بريّا، والمغيري بالثريا، وجميل بن معمر ببثينة، ومصعب بن الزبير بسكينة وله فيه تفنن ينسي به حبيب، وينسج نظرته ما ذكر عن عريب، مما لو يوصف بأكثر منه علي بن جريج، ولا صنف في أحسن منه إسماعيل بن سريج، وكان جوادا طلق اليمين، يهب الآلاف الذهب لا المئين، مع ما أوتي من خلق وصبى، وخلق رضى، وكان الراضي لا يرى بسخط أحد ساخطا [ص]، ولا لضغن بين
جنبيه ضاغطا فلا يشوب له نعماء، ولا يزال الراضي راضيا بموهبة من أفاد المعاني لأسماء.
وحكي عن أبي الحسن العروضي مؤدب الراضي أنه قال: غدا عليّ الراضي يوما وفي يده درج، فوضعه، وأقبل على ما كنت وظفته له، فأسرع يحصله، ثم انحاز عني، وأخذ ذلك الدرج يتصفحه، فقلت له: ما درجك أيها الأمير، فقال: حكمة من حكم الفرس مما ترجم لأمير المؤمنين أبي جعفر المنصور، وانتسخته، فقلت: أسمعني ما فيه، فقرأ عليّ أنه لا يضر فساد الملك مع صلاح وزرائه، كما لا ينفع مع فساد وزرائه كبير نفع، وينبغي للملك أن يسوس وزراءه بثقة يكمن فيها احتراس لا يوجد معه حذر، وليس تسوء به هيبته، وليحذر كل الحذر من اختصاص بعضهم دون بعض، وتفضيل بعضهم على بعض، فالوزراء للملك كالطبائع للجسم، صلاح الجسم باعتدال طبائعها وتساويها في القوة، كما أن عطبها في قوة بعضها على بعض. قال العروضي، فقلت: أيها الأمير إنك اليوم غير محتاج إلى هذا وشبهه، فقال: كلا إني إليه لمحتاج، وإن كان عندك علم منه فأفدناه، وإن لم يكن عندك فاستفده لكي تفدناه. قال: فعلمت بذلك سمو همته، وثقوب فطنته.
وحكي عن العروضي أنه قال: أمليت على الراضي في صباه كلاما لقتيبة، وهو أن قتيبة شاور أصحابه في رجل يؤّمره على جيش أراد أن يبعث به لمحاربة بعض من جاور خراسان من الكفار، فقيل له: هل لك في فلان؟ فقال: ذاك رجل ذو كبر، ومن تكبر أعجب برأيه، ومن أعجب برأيه لم يؤامر نصحاءه، ومن تحلى بالإعجاب، ودبر بالاستبداد، كان مع الصنع بعيدا، ومن
الخذلان قريبا، ومن تكبر على عدو احتقره، ومن احتقر عدوه [قل] احتراسه منه، ومن قل احتراسه كثر عثاره، وما رأيت محاربا قط تكبّر على عدوه، إلا كان مخذولا مهزوما مفلولا، لا والله حتى يكون أسمع من فرس، وأبصر من عقاب، وأهدى من [ص] قطاة، وأحذر من عقعق، وأجرأ من أسد، وأوثب [من] فهد، وأحقد من جمل، وأزوغ من ثعلب، وأسخى من ديك، وأشح من صبي، وأخرس من كركي، وألح من كلب، وأصبر من ضب، وأحمل من نمل، فإن النفس إنما تسمح بالعناية على مقدار الحاجة، وإنما نعني بالتحفظ على مقدار الخوف، وقد قيل: على وجه الدهر ليس لمعجب رأي، ولا لمتكبر صديق، ومن أحب أن يحبّ تحبب. قال العروضي: فكتب الراضي ذلك بخطه، وعكف على دراسته حتى حفظه في مجلسه ذلك، فلما حصله ارتاح وطرب، وأقبل عليّ وقال: لعل الزمان أن يبلغ بي إلى أن أتأدب بهذه الآداب.
ثم:
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع