تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

دولة المستظهر عبد الرحمن بن هشام

ابن عبد الجبار بن عبد الرحمن الناصر، أبي المطرف، وكان سبب ملكه ما قدمناه، وموجب تقديمه التيمن بسناه، وحب أهل قرطبة لبني أمية، الحب الذي تمكن في حشاهم وملأهم به شغفا وحشاهم، فلما غشيهم موج الفتنة وغشّاهم، وأرحل [ص] ذلا فوارسهم ومشّاهم، صافحوا بالبيعة يمناه، ونافحوا من حال دون ما تمناه، هوى أمويا علقوه، وجوى خفيا عاهدوا الله عليه لو صدقوه.

بويع في شهر رمضان سنة أربع عشرة وأربع مائة، وعمره اثنتان وعشرون سنة، واختان القدر ملكه وما مكنه، وأظن الأدب أدركه بحرفته، وأملكه بذنب معرفته، لأنه كان شاعرا مجيدا رقيق الطبع، لا تبلى بأيدي من دموعه الربع، ولم تتم ولايته، ولم تقم للخلافة حوايته، وكانت مدته شهرا واحدا وسبعة عشر

يوما، ثم قتل، ورد عهده بعد أن قتل، وكانت جالبة حمامه، وخالبة روحه باعتلاق سمامه، جهالة أركبه الشيطان غرورها، وأكسبه محذورها، وكان السبب أنه أخذ جماعة من أعيان قرطبة فسجنهم لميلهم إلى سليمان بن المرتضى عبد الرحمن بن محمد بن عبد الملك بن عبد الرحمن الناصر، وأخذ أموالهم، فسعوا عليه من السجن، وصدعوا حباله مزقا كالعهن، وألّبوا الناس عليه، وتأهبوا لاستلال روحه من جنبيه، فأهانهم صاحب شرطته فأهين، وجرّع كأس ردائه في الحين، وكان ممن وافقهم على فعلتهم وواثقهم على مثل مثلتهم أبو عبد الرحمن محمد بن عبد الرحمن الأموي، في جماعة كثيرة، وطاعة جعلت إلى الأمر مصيره.

وكان أبيض أشقر أعين العين شثن الكفين رحب الصدر.

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.