تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

دولة سليمان بن الحكم المستنصر بن عبد الرحمن الناصر

قد قدمنا ما كان بينه وبين هشام من نوب الأيام، ثم لما كانت له هذه الكرة، ودانت له قرطبة هذه المرة، وهي ولايته الثانية، وإيالته الدانية، تلقب بالمستعين، وتغلب بعد ما غلب بعد حين، وكانت ولايته هذه منتصف شوال سنة ثلاث وأربع مائة، وبايعه الناس بيعة عنوة لا عناية، وخافوا تبعة السيف، تصريحا لا كناية، وكان أديبا خطيبا شاعرا، فاتكا باتكا داعرا، خرج إليه أهل قرطبة للسلام عليه، فلما مثلوا لديه، ابتدأ مميلا، وأنشد متمثلا:

إذا ما رأوني طالعا من ثنيةيقولون من هذا وقد عرفوني
للشاعر جميل بثينة، اقرأ القصيدة
يقولون لي أهلا وسهلا ومرحباولو ظفروا بي ساعة قتلوني

ثم تمت له المبايعة، وانقادت له أهل قرطبة بأنفس طائعة، ونخوة أحماها ما كانت بالكف قانعة، وبالصغار تحت غاء الذل مصانعة.

وقد حكى صاحب بلغة الرفاء أنه تلقب أولا بالمستعين، ثم تلقب بالظافر بحول الله، وأنشد قول هارون الرشيد ﵀:

ملك الثلاث الآنسات عنانيوحللن من قلبي بكل مكان
للشاعر العباس بن الأحنف، اقرأ القصيدة
ما لي تطاوعني البرية كلهاوأطيعهن وهن في عصياني
للشاعر العباس بن الأحنف، اقرأ القصيدة
ما ذاك إلا أن سلطان الهوىوبه قوين أعز من سلطاني
للشاعر العباس بن الأحنف، اقرأ القصيدة

فقال سليمان المستعين:

عجبا يهاب الليث حدّ سنانوأهاب لحظ فواتر الأجفان
وأقارع الأهوال لا متهيبامنها سوى الإعراض والهجران
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «ما لي على شرفي ورفعة شاني»
وتملكت نفسي ثلاث كالدّمىزهر الوجوه نواعم الأبدان
ككواكب الظلماء لحن لناظرمن فوق أغصان على كثبان
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «ما لي على شرفي ورفعة شاني»
هذي الهلال وتلك بنت المشتريحسنا وهذي أخت غصن البان [ص]
حاكمت فيهن السلوّ إلى الصبىفقضى لسلطان على سلطاني
فأبحن من قلبي الحمى وثنيننيعن عز ملكي كالأسير العاني
لا تعذلوا ملكا تذلل في الهوىذلّ الهوى عز وملك ثان
إن لم أطع فيهن سلطان الهوىكلفا بهنّ فلست من مروان
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «ما لي على شرفي ورفعة شاني»

قلت: وخلا المستعين هذا يوما بلذاته، واقتصر على لداته، وقد برز الجو في ممسك طرازه قوس قزح، والنور قد قلد جنده من لؤلؤ الطل سبح، وقد مد الغمام ستارة طرزت رفرفها البروق، وطرفت جانبي يومها كؤوس الصبوح

والغبوق، ثم وافى الليل فصدم جيشه كتائب تلك السحائب فمزقها، ولطم بحره أفواج تلك الأمواج ففرقها، وتوقدت لوامع النجوم للاقتباس، ولاح الهلال كأنه سطر طوق في جيد زرقاء اللباس، فقال:

عرّى النهار الليل ملبس دجنةوغزا غمائمه بجيش مقبل
عجبا له من سيف يوم مذهبلولا الظلام يدوسه لم ينجل
أو ما ترى زهر النجوم كأنّهاهي والهلال أسنّة في قسطل

قال ابن الأثير ما ملخصه: إن خيران العامري لم يكن راضيا بولاية سليمان بن الحكم، لأنه كان من أصحاب هشام المؤيد، فلما ملك انهزم، وكاتب له كاتبه، ثم أتى شرق الأندلس، فكثر به جمعه وقاتل البربر، وملك المرية، وتراسل هو وعلي بن حمود العلوي صاحب سبتة، ووافقه على أن المؤيد كان قد عهد إليه، ودعا له بولاية العهد، فعبر علي بن حمود إليه، وأتى

مالقة فسلمها إليه عامر بن فتوح، ثم سار خيران إليه، وتلاقيا بالمثلث سنة ست وأربعمائة، وبايعوا علي بن حمود على طاعة المؤيد هشام الأموي، فلما بلغوا غرناطة، وافقهم أميرها وساروا إلى قرطبة، فخرج [ص] إليهم سليمان بالبربر، فالتقوا واقتتلوا، فانهزم سليمان فأخذ أسيرا، فحمل إلى ابن حمود، ودخل ابن حمود قرطبة في المحرم سنة سبع وأربع مائة، وداروا القصور طمعا أن يكون بها المؤيد فلم يجدوه، ورأوا قبرا منبوشا وجدوا به جثة ميت، قالوا إنه المؤيد، ولم يكن به، إنما قالوه خوفا من علي بن حمود، لأنه طمع بالاستقلال، فأخذ ابن حمود سليمان بن الحكم فقتله، واستولى ابن حمود على قرطبة، وبدّلت الخلافة الأموية بالخلافة العلوية، على ما ذكر في مكانه، ثم أنّه تنكر لخيران، فتنكر له خيران، وأظهر عليه الخلاف، وأرسل يسأل عن بني أمية، فدلّ على عبد الرحمن بن عبد الملك بن عبد الرحمن الناصر، وكان قد خرج إلى حبّان، وكان أصلح بني أمية، فبايعه خيران ولقبه المرتضى، وراسل شرفاء قرطبة والثغر الأعلى وشاطبة وبلنسية وطرطوشة،

فأجابوا إلى بيعته، ثم ساروا إلى صنهاجة على قصد غرناطة، وحصل من المرتضى إعراض عن خيران، فتخلى عنه، وانجلى حصارهم لغرناطة عن هزيمتهم، وقتل المرتضى، ثم استقل علي بن حمود، ثم أخوه القاسم، ثم يحيى بن علي ابن حمود، ثم عادت دولة بني أمية على ما نذكره، فكان أولها بعد الدولة العلوية:

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.