من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
ذكر الإيقاع بالبرامكة
وفي هذه السنة، أوقع بهم الرشيد، وقتل جعفر <اً> واختلف في سبب ذلك، فالأكثر على أن ذلك بسبب العباسة أخت الرشيد لأنه زوجه بها ليحل له النظر إليها، وشرط عليه أن لا يقربها، فوطئها وحبلت منه وجاءت بولد.
وقيل: بل الرشيد حبس يحيى بن عبد الله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب عند جعفر فأطلقه جعفر.
وقيل: بل لما عظم أمر البرامكة واشتهر أحبهم الناس، والملوك لا تصبر على مثل ذلك فنكبهم لأجل ذلك، وقيل غير ذلك.
وكان قتل جعفر بالأنبار مستهل صفر من هذه السنة عند عود الرشيد من الحج، وبعد أن قتل جعفر <اً> أرسل إلى [يحيى] فأحاط به وبولده، وأخذ ما وجده من أموالهم، وأرسل إلى سائر البلاد بقبض أموالهم ووكلائهم، وأرسل رأس جعفر وجيفته إلى بغداد فنصب رأسه على الجسر، ونصبت جيفته على الجسر الآخر، ولم يتعرض الرشيد لمحمد بن خالد بن برمك وولده، وأسبابه لبراءته مما دخل فيه أخوه يحيى وولده، وكان عمر جعفر لما قتل سبعا وثلاثين سنة، وكانت الوزارة إليهم سبع عشرة سنة، وفي ذلك يقول الرقاشي، وقيل:
أبو نواس: <الطويل>
الان استرحنا واستراحت ركابناوأمسك من يجدى ومن كان يجتدي
فقل للمطايا قد أمنت من السّرىوطيّ الفيافي فدفدا بعد فدفد
وقل للمنايا قد ظفرت بجعفرولم تظفري من بعده بمسوّد
وقل للعطايا بعد فضل تعطليوقل للرزايا كلّ يوم تجددي
ودونك سيفا برمكيا مهنّداأصيب بسيف هاشميّ مهنّد
وقال يحيى بن خالد لما نكب: الدنيا دول، والمال عارية، ولنا بمن قبلنا أسوة، وفينا لمن بعدنا عبرة.
وفي هذه السنة، خلع الروم ملكتهم، وكانت امرأة تدعى
[إيرين] وملكوا نقفور، فكتب إلى الرشيد:
«من نقفور ملك الروم إلى هارون ملك العرب، أما بعد:
فإن الملكة التي كانت قبلي أقامتك مقام الرخ، وأقامت نفسها مقام البيدق، فحملت إليك من أموالها ما كنت حقيقا بحمله إليها، لكن ذلك من حمق النساء وضعفهن، فإذا وصل إليك كتابي هذا فاردد إليّ ما كنت أخذته من مالها، وإلا فما لك عندي إلا السيف».
فلما قرأ الرشيد الكتاب استفزّه الغضب، وكتب على ظهر الكتاب:
﷽
«من هارون الإمام أمير المؤمنين إلى كلب الروم نقفور، وقد قرأت كتابك يا ابن الكافرة، والجواب ما تراه لا ما تسمعه».
ثم سار الرشيد من يومه فنزل على هرقلة ففتحها وخربها، فسأله نقفور الصلح على مئتي ألف دينار كل سنة فأجابه.
وفي هذه السنة، هاجت الفتنة بدمشق بين المضرية واليمانية، فأرسل الرشيد وأصلح بينهم.
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع