تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

محنة خلق القرآن

>

وفي سنة ثماني عشرة ومئتين (¬*) كتب المأمون إلى عامله ببغداد إسحاق بن إبراهيم أن يمتحن القضاة وجميع أهل العلم بالقرآن، فمن أقر أنه مخلوق محدث خلّي سبيله، ومن أبى يعلمه به ليرى فيه رأيه، فجمع أهل العلم الذين ببغداد، منهم: قاضي القضاة بشر بن الوليد الكندي، ومقاتل، وأحمد بن حنبل، وقتيبة، وعلي بن الجعد وغيرهم، وكتب أسماءهم وقرأ عليهم كتاب المأمون، وقال لبشر: ما تقول في القرآن؟.

قال بشر: [القرآن] كلام الله.

قال: [لم أسألك عن هذا] أمخلوق هو؟

قال: الله خالق كل شيء.

[قال: والقرآن شيء.

قال: نعم].

قال: <أ> مخلوق هو؟

قال: ليس بخالق.

قال: ليس عن هذا أسألك، [أمخلوق هو؟].

قال: لا أحسن غيره.

قال إسحاق للكاتب: اكتب ما قال، ثم سأل غيره وغيره ويجيبون قريبا مما

أجاب به بشر، فقال لأحمد بن حنبل: ما تقول في القرآن؟

قال: كلام الله.

[قال: أمخلوق هو؟.

قال: كلام الله] لا أزيد غيرها.

[ثم قال له: ما معنى قوله: سميع بصير؟.

قال أحمد: هو كما وصف نفسه.

قال: فما معناه؟.

قال: لا أدري هو كما وصف نفسه].

ثم سأل قتيبة [وعبيد الله بن محمد] وعبد المنعم بن إدريس بن بنت وهب بن منبه [وجماعة معهم] فأجابوا: إن القرآن مجعول لقوله تعالى:

﴿إِنّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا﴾ - والقرآن محدث لقوله [تعالى]: ﴿ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾.

قال إسحاق: فالمجعول مخلوق.

قالوا: نعم.

قال: فالقرآن مخلوق.

قالوا: لا نقول مخلوق، بل مجعول.

فكتب مقالتهم ومقالة غيرهم رجلا رجلا، ووجهت إلى المأمون، فورد جواب المأمون إلى إسحاق أن يحضر قاضي القضاة بشر بن الوليد وإبراهيم بن المهدي، فإن قالا إن القرآن مخلوق وإلا ضربت أعناقهما، وأما غيرهم [فيحملون] إليه موثقين في الحديد فجمعهم إسحاق وعرض عليهم ذلك فقالوا كلهم بخلق القرآن إلا أربعة نفر، وهم: أحمد بن حنبل، والقواريري، وسجّادة، ومحمد بن نوح فأمر بهم إسحاق فشدوا في الحديد، ثم سألهم فأجاب سجادة والقواريري إلى القول بخلق القرآن فأطلقهما، وأصر أحمد بن حنبل ومحمد بن نوح على قولهما فوجههما إلى طرسوس.

ثم ورد كتاب المأمون يقول: بلغني أن بشر بن الوليد وجماعة معه إنما أجابوا بتأويل الآية التي أنزلها [الله تعالى] في عمار بن ياسر ﴿إِلّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ﴾ وقد أخطأوا التأويل، فإن الله تعالى عنى بهذه الآية من كان مضمرا للإسلام مظهرا للشرك، فأما من كان [مظهرا للإيمان مضمرا للشرك] فليس هذا له، فأشخصهم إلى طرسوس ليقيموا بها إلى أن يخرج أمير المؤمنين من بلاد الروم، فلما صاروا إلى الرّقة بلغهم موت المأمون فرجعوا إلى بغداد.

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.