من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
ودخلت سنة تسعين وست مئة
فسار السلطان الملك الأشرف بالعساكر [المصرية] إلى عكّا، [وأرسل إلى العساكر الشامية وأمرهم بالحضور، وأن يحضروا صحبتهم المجانيق]، فتوجه المظفر صاحب حماة وعمه الأفضل [وسائر عسكر حماة] صحبته إلى حصن الأكراد، وساقوا منها منجنيقا عظيما يسمى المنصوري حمل مئة عجلة، وكان المسير بالعجل في أواخر فصل الشتاء، واتفق وقوع الأمطار والثلوج بين حصن الأكراد ودمشق، فحصل بسبب ذلك شدة عظيمة، والحاصل أنه اجتمع على عكّا من المجانيق الصغار والكبار ما لم يجتمع على غيرها، وكان نزول العساكر الإسلامية عليها في أوائل جماد <ى> الأولى، واشتد عليها القتال، ولم يغلق الفرنج غالب أبوابها بل كانت مفتوحة وهم يقاتلون فيها، وكانت منزلة الحمويين برأس الميمنة، وكانت على جانب البحر [والبحر] على اليمين إذا واجه الشخص عكّا، فكان تحضر المراكب المقبية بالخشب الملبس جلود الجواميس، والفرنج من تحتها يرمون بالنشاب والجروح، وأحضروا بطسة وفيها منجنيق يرمى به على المسلمين وعلى خيامهم من جهة البحر حتى اتفق في بعض الليالي هبوب رياح قوية، فارتفع المركب وانحط بسبب الموج، فانكسر المنجنيق الذي في المركب فانحطم، وكان المسلمون قد قاسوا منه شدة عظيمة، وخرج الفرنج في
أثناء مدة الحصار بالليل وكبسوا العسكر فهزموا اليزكية واتصلوا إلى الخيام وتعرقلوا بالأطناب، ووقع منهم فارس في جورة مستراح لبعض الأمراء فقتل هناك، وتكاثرت عليهم العساكر، فولى الفرنج منهزمين إلى البلد، وقتل [عسكر حماة عدة منهم]، فلما أصبح الصباح علق الملك المظفر من رؤوس الفرنج في رقاب خيولهم التي كسبها العسكر منهم وأحضر ذلك إلى السلطان الملك الأشرف، واشتدت مضايقة العسكر لعكّا حتى فتحها الله لهم في يوم [الجمعة] السابع عشر من جمادى الآخرة بالسيف، ولما هجمها المسلمون هرب من أهلها جماعة في المراكب، وكان بداخل البلد عدة أبرجة عاصية بمنزلة قلاع دخلها عالم عظيم من الفرنج وتحصنوا بها، وقتل المسلمون وغنموا من عكّا [شيئا] يفوت الحصر من كثرته، ثم استنزل السلطان جميع من عصي بالأبرجة ولم يتأخر منهم أحد، وأمر بهم فضربت أعناقهم عن آخرهم حول عكّا، وأمر بمدينة عكّا فهدمت إلى الأرض، ودكّت دكّا، وفي هذا الفتح يقول شيخنا أبو الثناء يمدح الملك الأشرف: <البسيط>
الحمد لله ذلّت دولة الصلبوعزّ بالنصر دين المصطفى العربي
هذا الذي كانت الآمال لو طلبترؤياه في النوم لاستحيت من الطّلب
ما بعد عكّا وقد هدّت قواعدهافي البحر للشرك عند البرّ من أرب
عقيلة ذهبت أيدي الخطوب بهادهرا وشدّت عليها كفّ معتصب
لم تبق من بعدها للكفر إذ خربتفي البرّ والبحر ما ينجي سوى الهرب
كانت تخيلها آمالنا ونرىأنّ التفكر فيها غاية العجب
أم الحروب فكم قد أنشأت فتناشاب الوليد بها هولا ولم تشب
سوران برّ وبحر حول ساحتهادار <ا> وأدناهما أدنى من العطب
خرقاسوريها وأحصنه ...... الكماة … على النوب
مصفّح بصفاح حولها شرفمن الرماح وأبراج من السلب
مثل الغمائم تهدي من صواعقهابالنّبل أضعاف ما تهدي من السحب
كأنما كلّ برج حوله ملكمن المجانيق يرمي الأرض بالشهب
ففاجأتها جنود الله يقدمهاغضبان لله لا للملك والنّسب
ليث أبى أن يردّ الوجه عن أمميدعون ربّ الورى سبحانه بأب
تسنموها فلم تترك... في ذلك الأفق برجا غير منقلب
تسلموها فلمالرقاب بها … من … مستنم أو كفّ منتهب
أمّوا حماها فلم تمنع وقد وثبواعنها مجانيقها شيئا ولم تثب
يا يوم عكّا [لقد] أنسيت ما سبقتبه الفتوح وما قد خطّ في الكتب
لم يبلغ الحلق حدّ الشكر فيك فماعقبى ذو الشعر والخطب
كانتبك الأحلام عن أمم … والحمد لله شاهدناك عن كثب
أغضبت عبّاد عيسى إذ أبدتهموكم له من رضى في ذلك الغضب
وأطلع الله جيش النصر فانتدبتطلائع الفتح بين الشّمس والقضب
وأشرف المصطفى الهادي البشير علىما أسلف الأشرف السلطان من قرب
فقرّ عينا بهذا الفتح وابتهجتببشره الكعبة الغرّاء في الحجب
وسار في الأرض مسرى الريح سمعتهفالبرّ في طرب والبحر في حرب
وخاضت البيض في بحر الدماء فماأبدت من البيض إلا … مختضب
وغاص زرق القنا في زرق أعينهمكأنها منطق تهدي إلى قلب
توقدت وهي تروى في نحورهمفزادها الريّ في الإشراق واللّهب
أجرت إلى البحر بحرا من دمائهمفراح كالراح إذ غرقاه كالحبب
وذاق من حرّها عنهم حديثهم ......... به ...... الرهب
تحكمت فسطت فيهم قواضبها ......... لحاويها عن السلب
كمبطلا كالطّود قد بطلت ...... فغدا كالمنزل الخرب
كأنه وسنان الرمح يطلبهبرج هوى ووراه كوكب الذّنب
بشراك يا ملك الدنيا لقد شرفتبك الممالك … على الرتب
ما بعد عكّا وقد لانت عريكتهالديك شيء تلاقيه على تعب
فانهض إلى الأرض فالدنيا بأجمعهامدّت إليك نواصيها بلا نصب
كم قد دعت وهي في إثر العدا زمناصيد الملوك فلم تسمع ولم تجب
أجبتها يا صلاح الدين معتقدابأن ظنّ صلاح الدين لم يخب
أسلت فيها كما سالت دماؤهم ......... نهرا من الذهب
أدركت ثأر صلاح الدين عندهممنه بشرّ طواه الله في القلب
وجئتها بجيوش كالسيول علىأمثالها بين آجام من القضب
. بالمجانيق التي وقفتأمام أسوارها في جحفل لجب
من نوعه نصبوا صفا فما نصبتللجزم والكسر منها كل منتصب
وبعد صحبتها بالزحف فاضطربترعبا … وأبدت … إلى الرتب
وغنّت البيض في الأعناق فارتقصتأبراجها لعبا منها مع اللّعب
وجدّثت بالدم الأسوار فابتهجتطيبا ولولا دماء القوم لم تطب
وأبرزت كل خود كاعب بترتلها الرءوس وقد زفّت بلا طرب
ظنوا بيوت البروج الشمّ تعقلهمفاستعقلتهم فلم تطلق من النّوب
فأحرزتهم ولكن للسيوف لكيلا يلتجي أحد منهم إلى الهرب
وجالتفي أبراجها وعلت … فأطفأت ما بصدر الدين من كرب
أضحت أبا لهب تلك البروج وقدكانت بقلعتها حمالة الحطب
البحر من بحر من... يلقاه من قومه بالويل والحرب
وتمّت النعمة العظمى وقد ملكتبفتح صور بلا حصر ولا نصب
أختان في أنّ كلا منهما جمعتأختان بالكفر لا أختان بالنسب
لما رأت أختها بالأمس قد خربتكان الخراب لها أعدى من الجرب
إن لم يكن ثمّ لون البحر منصبغابها … وإلاّ [ألسن] اللهب
فالله أعطاك ملك البحر وابتدأتلك السعادة ملك البرّ فارتقب
من كان مبدؤه عكّا وصور معافالصين أدنى إلى كفّيه من حلب
علا بك الملك حتى أن قبتهعلى الربى <قد> غدت ممدودة الطّنب
ولا برحت عزيز النصر مبتهجابكلّ فتح قريب المنح مرتقب
وكتب ابن عبد الظاهر إلى الملك الأشرف في فتح عكّا من قصيدة:
<الخفيف>
أيها السامعون فتح صلاح الدين هذا فتوحه قد أعيدا
أهل صور صور كذلك صيداقد تهيّت صيدا له موجودا
قد رعى في فتوحها لأبيهولكلّ من في الأنام عهودا
أنجدته ملائك وملوككثرت عسكرا له وجنودا
تجعل الكفر في النقوب دفيناوتعيد الإيمان خلقا جديدا
كم بها غلاظ شدادتجعل الناس والحجار وقودا
ومجانيق لا تملّ صدوراونقوب ما إن تملّ ورودا
كم لهم أرسلت وقالت فلبواأو فكونوا حجارة أو حديدا
لو يكن للصليب نطق لنادىأنت يا منجنيق أصلب عودا
كل هذا بسعد أشرف ملكزانه الله بسطة وسعودا
ولما فتحت عكّا ألقى الله في قلوب الفرنج الذين بساحل الشام رعبا فأخلوا صيدا وبيروت، وتسلمها الشجاعي في أواخر رجب، وكذلك هرب أهل مدينة صور، فأرسل السلطان وتسلمها، ثم تسلم عثليث في مستهل
شعبان، ثم تسلم [انطرطوس] في خامس شعبان، واتفق لهذا السلطان من السعادة ما لم يتفق [لغيره] بفتح هذه البلاد العظيمة بغير قتال ولا تعب، وأمر بها فهدمت عن آخرها، وتكملت بفتح هذه البلاد جميع البلاد الساحلية [للإسلام]، وكان أمرا عجيبا لا يطمع فيه [ولا يرام] وتطهر الشام بالسواحل من الفرنج بعد أن كانوا قد أشرفوا على الديار المصرية وعلى ملك دمشق وغيرها من الشام، فلله الحمد والمنّة على ذلك.
ثم رحل الملك الأشرف ودخل دمشق وأقام مدة، ثم عاد إلى الديار المصرية ودخلها في هذه السنة، ولما كان الحصار على عكّا سعى علم الدين سنجر الحموي المعروف بأبي خرص بين السلطان وبين حسام الدين لاجين نائب السلطنة بالشام فخاف لاجين وقصد [أن يهرب] وعلم به السلطان فقبض عليه وعلى أبي خرص وقيّدهما وأرسلهما فحبسا.
وفيها، ولى الملك الأشرف علم الدين الشجاعي نيابة السلطنة بالشام موضع حسام الدين لاجين.
وفي ربيع الأول، مات أرغون بن أبغا بن هولاكو بن طلو بن جنكز خان ملك التتر وكان مدة ملكه سبع سنين، ولما مات ملك بعده أخوه كيختو بن أبغا، وخلف أرغون ولدين هما قازان وخربندا وكانا بخراسان، ولما تولى كيختو أفحش في الفسق واللواط بأبناء المغل، فأبغضوه على ذلك وفسدت نياتهم عليه.
وفيها، قتل تلابغا بن منكوتمر بن طغا <ن> بن باطو بن دوشي خان بن جنكز خان، وقد تقدم ذكر مملكته في سنة ست وثمانين وست مئة [قتله] نغية بن [بوقال] بن ططر بن [بوال بن] دوشي خان بن جنكز خان، ولما قتل تلابغا أقام نغية بعد <هـ> طقطقا بن منكوتمر أخا تلابغا المذكور ورتب نغية أخوة طقطقا بن منكوتمر معه وهم: [برلك، و] صراي بغا، وتدان.
وفي أوائل سنة تسعين وست مئة، تكملت عمارة قلعة حلب، وكان قد شرع قراسنقر في عمارتها في أيام المنصور، فتمت في أيام الأشرف، [وكان قد خربها هولاكو لما استولى على حلب سنة ثمان وخمسين وست مئة فكان لها على التخريب نحو ثلاث وثلاثين سنة بالتقريب].
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع