من «ثمرات الأوراق» لابن حجة الحموي (ت ٨٣٧هـ)
ترجمة المعتزلة
الصفحة ٢ من ٢
وضمن البيت الأول الشيخ صفي الدين الحلي في مليح اسمه نعمان
أقول وقد عانقت نعمان ليلةًبنور محياه أنارَ أديمها
وقد أرسلت إلياه نحوي فسوةًيروح كرب المستهام شميمها
أيا جبلي نعمان بالله خليانسيم الصبا يخلص إلي نسيمها
وكان لابن الجوزي رحمه الله تعالى زوجة أسمها نسيم الصبا فاتفق أنه طلقها فحصل له عند ذلك ندم وهيام أشرف منه على التلف فحضرت في بعض الأيام مجلس وعظه فحين رآها عرفها فاتفق أنه جاءته امرأتان وجلستا أمامه فحجبتاها عند فأنشد في الحال:
أيا جبلي نعمان بالله خليانسيم الصبا يخلصْ إلي نسيمها
قلت وعلى ذكر نعمان
والكناية عنه فما ألطف ما ذكره الشيخ بدر الدين حسن بن زفر الطبيب الأربلي في كتابه روضة الجليس ونزهة الأنيس وهو أن بعض الرؤساء قال: أخبرني بعض الأصحاب قال: كنت يوما جالسا عند صديق لي بالموصل إذ جاءه كتاب من بغداد من صديق له وفيه تشوق وفيه عتاب بهذا البيت:
تناسيتم العهد القديم كأنناعلى جبلي نعمان لن نتجمعا
فأخذ يستحسن هذا البيت ويهتز له فقلت بالله عليك أسألك شيئاً لا تخفه قال سل قلت هذه معشوقتك صاحبة هذا الكتاب هل كنت تأتيها من وراء الدار فقال أي والله ومن أين علمت ذلك فقلت من البيت لأنها ذكرتك فيه بجبلي نعمان وهما كناية عند الظرفاء من أهل الأدب عن جانبي الكفل للمليح والمليحة فقال والله ما أدركت ما أدركت ونقلت من اللطائف المسبوكة في قالب التورية أن بعض الكتاب دخل يسلم على بعض فضلاء النحاة وكان من أصحابه فوجده قائما يلوط بأحد الغلمان الملاح من طلبته في قراءة النحو ولم يره الغلام فجلس النحوي في مكانه وبقي الغلام
واقفا مبهوتا فقال الكاتب للنحوي مالي أرى هذا الغلام واقفا فقال النحوي وقع عليه الفعل فانتصب.
ومثل ذلك قصة ابن عنين مع الملك المعظم عيسى ابن الملك العادل لما كتب إليه في مرضه:
أنظر إلي بعين مولى لم يزليولي الندى وتلافَ قبل تلافي
أنا كالذي احتاج ما يحتاجهفأغنم دعائي والثناء الوافي
فحضر إليه المعظم بنفسه ومعه ثلثمائة دينار وقال له أنت الذي وأنا الغائد وهذه الصلة وظرف من قال:
وذي أدبٍ بارعٍ لكنهُأولجت فيه قمداً عتف
فقلت فديتك أعصر عليه ففيه اللذاذة لو تعترف
فقال أجدت ولكن لحنتلقولك أعصر بفتح الألف
فقلت لك الويل من أحمقٍفقال وأحمق لا ينصرف
وأظرف منه قول الحسين بن الريان:
أتيت حانة خمار وصاحبهامما جنى متقن للنحو ذو لسن
وحوله كل هيفاءٍ منعمةٍوكل علقٍ رشيقٍ أهيفٍ حسن
فقال لي إذ رأى عيني قد انصرفتإلى النساء كلام الحاذق الفطنِ
أنت وركب وصف وأعدل بمعرفةٍوأجمع وزد واسترح من عمةٍ وزن
ومثله ما حكي أن بعض الفقراء
وقف على باب نحوي فقرعه فقال النحوي من بالباب فقال سائل فقال ينصرف فقال اسمي أحمد فقال النحوي لغلامه أعط سيبويه كسرة.
ومثله قول ابن عنين:
شكا ابن المؤبد من عزلهوذم الزمان وأبدى السفه
فقلت له:
لا تذم الزمانفتظلم أيامه المنصفه
ولا تعجبن إذا ما صرفتفلا عدل فيك ولا معرفه
وألطف منه قول القائل:
ورقيعٍ أراد أن يعرف النحوبزي العيار لا المستفتي
قال لي لست تعرف النحو مثليقلت سلني عنه أجب في الوقت
قال ما المبتدا وما الخبر المجرورأوجز فقلت ذقنك في استي
وأحسن منه وأبدع قول الشيخ زين الدين بن الوردي:
وشادنٍ يسالنيما المبتدا والخبر
مثلهما لي مسرعاًفقلت أنت القمر
ومن النكت المسبوكة في قالب التورية أيضا ما قيل أن شهاب الدين القوصي حضر عند الملك الأشرف وقد دخل إليه سعد الدين الحكيم فقال الملك الأشرف ما تقول في سعد الدين الحكيم لشهاب الدين فقال يا مولانا السلطان إذا كان بين يديك فهو سعد الدين، وعلى السماط سعد بلع، وفي الخباء عن الضيوف سعد الأخبية، وعند
مرض المسلمين سعد الذابح قال فضحك الملك الأشرف واستسحن اتفاقه البديعي وابدع منه في هذا الباب ما نقل عن الشيخ نظام الدين قيس إنه لقي الصاحب عز الدين عبد العزيز بن منصور فسأله الصاحب عن حاله فقال:
حالٌ متى علم ابنُ منصورٍ بهاجاء الزمان إليّ منها تائبا
قلت إن نظام الدين أحق من أبي الطيب بهذا البيت ومن النكت بالتورية أيضاً قيل إن بعض الماجنات أرادت السفر فلقيها بعض المجان فقال لها خذي معك هذا الكتاب وأشار إلى ذكره فقالت له على الفور إن لم ألق أمك أعطه أختك ومثل ذلك أن الشيخ بدر الدين بن الصاحب لقي شخصاً ومعه مليحان فقال ما اسمك فقال عبد الواحد فقال أخرج منهما فأنا عبد الاثنين. ومثله أن ابن نقيلة المغني مرض وأشرف على الموت فجاء إليه ابن الصاحب يعوده فقال له كيف حال النقيلية فقال ما أخوفني أن تصير مدفونة مثله أن بعض المجان رأى امرأة حاملة سرموجة فقال له متى زوجك حملك تركاشه فقالت له رح لأرميك منه بفردة ومثله أن بعضهم رأى امرأة حاملة فردة سقمان لتخيطه فقال لها: أعتقي هذا الغراب.
فقالت له رح لأسيبه ينقرك. ومثله أن الشيخ بد الدين المذكور أولا حضر إلى مجلس قاضي القضاة ناصر الدين المالكي فذكروا محاسن القاضي محب الدين ناظر الجيشين وحسن أخلاقه ثم ذكروا محاسن الشعر فأنشده قاضي القضاة:
فكم أبٍ قد علا بابنٍ ذوي شرفٍكما علت برسول الله عدنان
فكل من الجماعة أثنى على هذا البيت فقال الشيخ بد الدين ابن الصاحب والقاضي محب الدين يحب هذا البيت فطربوا له. ومما وقع له بذلك المجلس أنه لما قدم المشروب على العادة كان قد تولى السقيا مملوك له اسمه بكتمر فلما شرب الشيخ بدر الدين قال له قاضي القضاة ما تقول يا شيخ قال رأيت ملك العلماء بكتمر الساقي ومثله أن الصاحب بن سكر أراد قارئا يقرأ بالمدرسة التي أنشأها بالقاهرة فاختاروا له رجلين أحدهما اسمه زيادة والآخر مرتضى فوقع في ظهر القصة مرتضى زيادة وزيادة مرتضى. ومثله أن ابا الحسين الخراز جاء إلى باب الصاحب زين الدين بن الزبير فأذن للناس في الدخول ولم يأذن له فكتب في ورقة:
الناس كلهم كالأير قد دخلواوالعبد مثل الخصي ملقى على الباب
فلما قرأها ابن الزبير قال لحاجبه أخرج إلى الباب وقل يا خصي أدخل فدخل أبو الحسين وهو يقول هذا دليل على السعة ومن التنكيت والحشمة بالتورية أن الشيخ صلاح الدين الصفدي قال أخبرني الشيخ فتح الدين بن سيد الناس بالقاهرة قال قلت للشيخ تقي الدين بن دقيق العيد أن بهاء الدين بن النحاس يرجح أبا تمام على المتنبي فما رأيك أنت فسكت فقلت ثانيا فقال كنت كذا في الأول قال الشيخ صلاح الدين ولما حكيت للشيخ جمال الدين بن نباتة قال أنا على رأي ابن دقيق العيد قال الشيخ صلاح الدين وممن رأيته يعظم أبا تمام شيخنا أثير الدين ويرجحه على المتنبي فعذلناه في ذلك فقال أنا ما أسمع عذلا في حبيب.
ونقلت من خط الصاحب فخر الدين ابن الكانس ﵀ قال سافرت سنة إحدى وستين وسبعمائة مع الصاحب فخر الدين ابن قزوينية إلى دمشق المحروسة وقد ولي نظر مملكتها ووالدي ﵀ افتاءها وكان له دوادار يسمى صبيحاً وهو من عتقاء جده الوزير أمين الدين بن الغنام وكان لطيفا كثير النوادر فاتفق أن جمال الدين بن الرهاوي موقع دست الوزارة ركب يوما فتقنطر به
الفرس وداس على رأس أحليله فحمل إلى داره وأقام أياما إلى أن عوفي وحضر مجلس الوزارة وهو غاص بالناس فقال الصاحب ما سبب تأخرك فقال تقنطر بي الفرس وداس رأس احليلي فكدت أموت والآن فقد لطف الله تعالى وحصل البرء والشفاء فقال له صبيح: الحمد لله على سلامة الخصي فانقلب المجلس ضحكا وخجل ابن الرهاوي وانصرف. وحكي أن بعض الرؤساء كان له خادم وعبد فدخل يوما فوجد العبد فوق الخادم فضربه وخرج فرأى بعض أصدقائه فساله عن غيظه فقال هذا العبد النحس فعل بالخويدم الصغير فقال بل مولانا السيد الكبير فخجل منه وأبرزها في قالب المجون.
وأنشد ابن الجوزي في بعض مجالس وعظه:
أصبحت ألطف من مر النسيم علىزهر الرياض يكادُ الوهم يؤلمني
من كل معنىً لطيفٍ أجتلي قدحاًوكل ناطقةٍ في الكون تطربني
فقام إليه إنسان فقال يا سيدي الناطق حمارٌ فقال أقول له يا حمار اسكت ويعجبني قول برهان الدين القيراطي:
صاح هذي قباب طيبةَ لاحت
.. وفؤادي على اللقاء حريص
وتبدت نخيلها للمطايافعيون المطي للنخل خوص
ويطربني ما حكاه أبو الفوارس بن اسرائيل الدمشقي. قال كنت يوما عند السلطان صلاح الدين يوسف بن ايوب فحضر رسول صاحب المدينة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام ومعه قواد وهدايا فلما جلس أخرج من كمه مروحة بيضاء عليها سطران بالسعف الأحمر وقال الشريف يخدم مولانا السلطان ويقول هذه المروحة ما رأى مولانا السلطان ولا أحد من بني أيوب مثلها فاستشاط السلطان صلاح الدين غضباً فقال الرسول يا مولانا السلطان لا تعجل قبل تأملها وكان السلطان صلاح الدين ملكا حليما فتأملها فإذا عليها مكتوب:
أنا من نخلةٍ تجاور قبراًساد من فيه سائر الناس طرا
شملتني عناية القبر حتىصرت في راحة ابن أيوب أقرا
وإذا هي من خوص النخل الذي في مسجد الرسول ﷺ فقبلها السلطان صلاح الدين ووضعها على رأسه وقال لرسول صاحب المدينة النبوية صدقت فيما قلت من تعظيم هذه المروحة. وأحسن ما سمع فيها قول عرقلة الدمشقي:
ومحبوبةٍ في القيظ لم تخلُ من يدٍوفي القرٍّ تسلوها أكفُّ الحبائب
إذا ما الهوى المقصور هيج عاشقاً
.. أتت بالهوى الممدود من كل جانب
وقال غيره وأجاد:
ومروحةٍ أهدت إلى النفس روحهالدى القيظ مبثوثاً بإهداء ريحها
روينا عن الريح الشمال حديثهاعلى ضعفه مستخرجاً من صحيحها
نقل الحافظ اليعمري أن أبا نصر المنازي واسمه أحمد بن يوسف دخل على أبي العلاء المعري في جماعة من أهل الأدب فأنشد كل واحد منهم من شعره ما تيسر فأنشده أبو نصر:
وقانا لفحة الرمضاء وادٍسقاه مضاعف الغيث العميم
نزلنا دوحه فحنا عليناحنو الوالدات على الفطيم
وأرشفنا على ظمأٍ زلالاًألذَّ من المدامة للنديم
يصدُّ الشمس أني واجهتنافيحجبها ويأذن للنسيم
يروع حصاه حالية العذارىفتلمس جانب العقد النظيم
فقال أبو العلاء أنت أشعر من بالشام.
ثم رحل أبو العلاء إلى بغداد فدخل المنازي عليه في جماعة من أهل الأدب ببغداد وأبو العلاء لا يعرف منهم أحداً فأنشد كل واحد ما حضره من شعره
حتى جاءت نوبة المنازي فأنشد:
لقد عرض الحمام لنا بسجعِإذا أصغى له ركبٌ تلاحى
شجى قلب الخلي فقيل غنىوبرح بالشجيِّ فقيل ناحا
وكم للشوق في أحشاء صبٍّإذا اندملت أجدَّ لها جراحا
ضعيف الصبر عنك وإن تقاوىوسكران الفؤاد وإن تصاحى
بذاك بنو الهوى سكرى صحاةًكأحداق المها مرضى صحاحا
فقال أبو العلاء ومن بالعراق عطفا على قوله من بالشام انتهى.
نادرة مشى البيدق اليزيدي مع شاب موسوم بالجمال فقال له شمس الدين بن المنجم الشاعر أراك يا بيدق تفرزنت حول هذه النفس فقال وإذا كان فقال أخشى عليك من ذلك الرخ لا يقطعك من الحاشية ويرميك عن الفرس ويقطع عليك الرقعة ولو كان في كفك الفيل. ومثله في الظرف أن بعض الأجناد كان كثير اللعب بالشطرنج وكان الجندي خليعاً ظريفاً فأعطاه الأمير في بعض الأيام فرسا وقال له لا تفرط فيها فقال نعم وبعد ذلك التقاه الأمير وهو لابس جوخة فقال ويلك أين الفرس فقال يا خوند ضربني الشتاء
شاه مات فتسترت بالفرس. ويعجبني قول الشيخ بد الدين ابن الصاحب:
تأمل تر الشطرنج كالدهر دولةًنهاراً وليلاً ثم بؤساً وأنعما
محركها باقٍ وتفنى جميعهاوبعد الفنا تحيا وتبعث أعظما
قلت ويشبه هذا قول الفاضل وقد أخرج له السلطان الملك الناصر صلاح الدين من القصر من يعاني الخيال أعني خيال الظل ليفرجه عليه فقام الفاضل عند الشروع في عمله فقال له الناصر إن كان حراما فما نحضره وكان حديث العهد بخدمته قبل أن يلي السلطنة فما أراد أن يكدر عليه فقعد إلى آخره فلما إنقضى ذلك قال له الملك الناصر كيف رأيت ذلك قال رأيت موعظة عظيمة رأيت دولاً تمضي ودولاً تأتي ولما طوي الأزار إذا المحرك واحد فأخرج ببلاغته هذا الجد في هذا الهزل انتهى.
وللشيخ بدر الدين الصاحب مضمنا في الشطرنج:
أميل لشطرنج أهل النهيوأسلوه من ناقل الباطل
وكم رمت تهذيب لعابهاوتأبى الطباع على الناقل
ويعجبني قول الشيخ عز الدين الموصلي حيث قال:
جاهل شطرنجٍ ينادي وقدأمات نفس اللعب من عكسه
ما تفعل الأفعال في جاهلٍما يفعل الجاهل في نفسه
وقال الشيخ جمال الدين بن نباتة:
افديه لاعب شطرنجٍ قد اجتمعتفي شكله من معاني الحسن أشتاتُ
عيناه منصوبةٌ للقلب غالبةٌوالخد فيه لقتل النفس شاماتُ
النص من طبعة مكتبة الجمهورية العربية بمصر، بهامش «المستطرف»، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع