تجاوز إلى المحتوى

من «الكامل في اللغة والأدب» للمبرد (ت ٢٨٥هـ)

لأعرابي من بني كلاب

ومما يستحسن لفظه ويستغرب معناه، ويحمد اختصاره قول أعرابي من بني كلاب:

فمن يك لم يغرض فإني ونلقتيبحجرٍ إلى أهل الحمى غرضان
للشاعر عروة بن حزام، من قصيدة «متى تكشفا عني القميص تبينا»
تحن فتبدي ما بها من صبابةوأخفي الذي لولا الأسى لقضاني
للشاعر عروة بن حزام، من قصيدة «متى تكشفا عني القميص تبينا»

يريد: لقضى علي، فأخرجه لفصاحة وعلمه بجوهر الكلام أحسن مخرج، قال الله ﷿: ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ والمعنى إذا كالوا لهم أو وزنوا لهم، ألا ترى" أن" أول الآية ﴿الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾ فهؤلاء أخذوا منهم ثم أعطوهم، وقال الله ﷿: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً﴾ أي من قومه، وقال الشاعر:

أمرتك الخير فافعل ما امرت بهفقد تركت ذا مال وذا نشب
للشاعر عمرو بن معد يكرب، من قصيدة «يا دار أسماء بين السفح فالرحب»

أي أمرتك بالخير، ومن ذلك قول الفرزدق:

ومنا الذي اختير الرجال سماحةًوجوداً إذا هب الرياح الزعازع

أي من الرجال. فهذا الكلام الفصيح.

وتقول العرب: أقمت ثلاثاً ما أذوقهن طعاماً ولا شراباً، أي ما أذوق فيهن، وقال الشاعر:

ويوماً شهدناه سليماً وعامراًقليلاً سوى الطعن النهال نوافله

قال أبو الحسن: قوله: "لم يغرض"، أي لم يشتق، يقال: غرضت إلى لقائك، وحننت إلى لقائك، وعطشت إلى لقائك، وجعت إلى لقائك أي إشتقت، أخبرنا بذلك أبو العباس أحمد بن يحيى عن ابن الأعرابي، وأنشدنا عنه:

من ذا رسولٌ ناصحٌ فمبلغٌعني علية غير قول الكاذب
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «من ذا رسول ناصح فمبلغ»
أني غرضت إلى تناصف وجههاغرض المحب إلى الحبيب الغائب
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «من ذا رسول ناصح فمبلغ»

التناصف: الحسن.

وأما قوله: "لقضاني" فإنما يريد: لقضى علي الموت، كما قال الله ﷿: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ﴾، فالموت في النية، وهو معلوم بمنزلة ما نطقت به، فلهذا ناسب قوله ﷿: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ﴾، وكذلك قوله: ﴿كَالُوهُمْ﴾ فالشىء المكيل معلوم، فهو بمنزلة ما ذكر في اللفظ، ولا يجوز: مررت زيداً وأنت تريد: مررت بزيد، لأنه لا يعتدى إلا بحرف جر، وذلك أن فعل الفاعل في نفسه، وليس فيه د ليل على المفعول نفسه، وليس هذا بمنزلة ما يتعدى إلى

مفعولين، فيتعدى إلى أحدهما بحرف جر، وإلى الآخر بنفسه، لأن قولك: اخترت الرجال زيداً، قد علم بذكرك" زيداً "أن حرف الجر محذوف من الأول. فأما قول الشاعر وهو جرير وإنشاد أهل الكوفة له، وهو قوله:

تمرون الديار ولم تعوجواكلامكم علي إذاً حرام

ورواية بعضهم له: "أتمضون الديار" فليس بشىء لما ذكرت لك، والسماع الصحيح والقياس المطرد لا تعترض عليه الرواية الشاذة. أخبرنا أبو العباس محمد بن يزيد قال: قرأت على عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير:

مررتم بالديار ولم تعوجوا

فهذا يدلك على أن الرواية مغيرةٌ

فأما قولهم: أقمت ثلاثاً ما أذوقهن طعاماً ولا شراباً، وقول الراجز:

قد صبحت صبحها السلامبكبد خالطها سنام

في ساعة يحبها الطعام

يريد في ساعة يحب فيها الطعام، وكذلك الأول، معناه: ما أذوق فيهن، فليس هذا عندي من. باب قوله جل وعلا: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ﴾ إلا في الحذف فقط، وذلك أن ضمير الظرف تجعله العرب مفعولاً على السعه، كقولهم: يوم الجمعة سرته، ومكانكم قمته، وشهر رمضان صمته، فهذا يشبه في السعة في السعة بقوله: زيد ضربته وما أشبه، فهذا بينٌ.

النص من طبعة دار الفكر العربي بالقاهرة (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الكامل في اللغة والأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.