تجاوز إلى المحتوى

من «الكامل في اللغة والأدب» للمبرد (ت ٢٨٥هـ)

لأحد الأعراب

وقال أعرابي - أحسبه تميمياً -:

وداهيةٍ بها القوم مفلقشديد بعوران الكلام أزومها
أصخت لها حتى إذا ما وعيتهارميت بأخرى يستدير أميمها
ترى القوم منها مطرقين كأنماتساقوا عقاراٌ لايبل سليمها
فلم تلقني فهاً، ولم تلق حجتيملجلجةً أبغي لهل من يقيمها

قوله: "وداهية" يعني حجة داهي بها القوم مفلقٌ: يريد عجيبة، والفلق وجاء القوم بالفليق، وهذا مشهور كثير في الكلام، ومنه قول خلف الأحمر:

موت الإمام فلقةٌ من الفلق

وأنشدني منشد:

إذا عرضت دويةٌ مدلهمةٌوغرد حاديها عملن بنا فلقا

بفتح الفاء.

وقوله: "شديد بعوران الكلام"، العوراء هي القبيحة، قال حاتم بن عبد الله الطائي:

وعوراء قد أعرضت عنها فلم تضروذي أودٍ قومته فتقوما
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «أتعرف أطلالاَ ونؤيا مهدم»

وأزومها: إمساكها، يقال: أزم به إذا عض به فأمسكه بين ثنيتيه. وفي الحديث أن أبا بكر ﵀ قال في يوم أحدٍ: فنظرت إلى حلقةٍ من درع قد نشبت في جبين رسول الله ﷺ.، فانكببت لأنزعها فأقسم علي أبو عبيدة، فأزم بها أبو عبيدة بثنيتيه، فجذبها جذباً رفيقاً، فانتزعها، وسقطت، ثم نظرت إلى أخرى فأردتها فأقسم علي أبو عبيدة، ففعل فيها ما فعل في الأولى، وكان مشفقاً من تحريكها لئلا يؤذي بذلك رسول الله ﷺ، فكان أبو عبيدة أهتم.

وقوله: "فأزم بها"، يقال: أزم يأزم، وأزم يأزم.

وقوله: "أصخت لها": يقول استمعت لها، قال العبدي:

يصيخ للنبأة أسماعهإصاخة الناشد للمنشد
للشاعر المثقب العبدي، من قصيدة «هل عند غان لفؤاد»

والإصاخة الا ستماع والناشد: الطالب، والمنشد: المعرف، يقال نشدت الضالة إذا طلبتها، وأنشدتها: إذا عرفتها والنبأة: الصوت، قال ذو الرمة:

وقد توجس ركزاً مقفرٌ ندسٌبنبأة الصوت ما في سمعه كذب
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «ما بال عينك منها الماء ينسكب»

وقوله: حتى إذا ما وعيتها يقول: جمعتها في سمعي، يقال: وعيت العلم، وأوعيت المتاع في الوعاء، قال الله ﷿: ﴿وَجَمَعَ فَأَوْعَى﴾، وقال الشاعر:

الخير يبقى وإن طال الزمان بهوالشر أخبث ما أوعيت من زاد

وقوله:

رميت بأخرى يستدير أميمها

يريد يستدير، من الدوار، ويقال في هذا المعنى: يستديم، ومنه سميت الدوامة، وفي الحديث: "كره البول في الماء الدائم": لأنه كالمستدير في موضعه.، قال جرير:

عوى الشعراء بعضهم لبعضٍعلي فقد أصابهم انتقام
للشاعر جرير، من قصيدة «متى كان الخيام بذي طلوح»
إذا أرسلت صاعقةً عليهمرأوا أخرى تحرق فاستداموا

وقوله:" أميمها" يريد بها، ويقال: أميمٌ ومأموم، كقولك: قتيلٌ ومقتولٌ، ومجروح وجريح، ويقال،: للشجة التي قد وصلت إلى أم الدماغ وأم الدماغ جليدةٌ رقيقة تحيط بالدماغ فإذا وصل إلى تلك فالشجة آمة ومأمومة، قال الشاعر:

يحج مأمومة في قعرها لجفٌفاست الطبيب قذاها كالمغاريد

المغاريد: صغار الكمأة.

وقوله: "في قعرها لجف" أي تقلع، يقال: تلجفت البئر، إذا انقلع طيها من أسفلها، ولجف القوم مكيالهم، إذا وسعوه من أسفله.

وقوله: "تساقوا عقاراً" يريد: كأنهم سكارى لما نالهم من تلك الحجة والعقار: أسم من أسماء الخمر، وإنما سميت عقاراً لمعاقرتها الدن.

وقوله: "ما يبل" يقال: بل أبل من مرضه، وكذلك استبل.

والسليم الملسوع، وقيل له سليم على جهة التفاؤل، كما يقال للمهلكة مفازةٌ، وللغراب: الأعور على الطيرة منه لصحة بصره.

وقوله: "فلم تلقني فهاً" يقول: ضعيفاً، يقال: فه فلان عن حجته إذا ضعف عنها، ويقال: رجل مفهةٌ إذاكان عاجزاً.

وقوله: "ملجلجة"، وهو أن يرددها في فيه، وقد مضى تفسيره.

النص من طبعة دار الفكر العربي بالقاهرة (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الكامل في اللغة والأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.