من «الكامل في اللغة والأدب» للمبرد (ت ٢٨٥هـ)
لابن حبناء التميمي في مكارم الأخلاق
وقال ابن حبناء التميمي:
أعوذ بالله من حالٍ تزين ليلوم العشيرة أو تدني من النار
لا أقرب البيت أحبو من مؤخرهولا أكسر في ابن العم أظفاري
إن يحجب الله أبصاراً أراقبهافقد يرى الله حال المدلج الساري
وقوله:
لا أقرب البيت أحبو من مؤخره
يقول: لا آتيه لريبةٍ. ومثل ذلك قوول الشاعر:
ولست بصادرٍ من بيت جاريكفعل العير غمره الورود
يقول: لا أخرج خروج الخائف، لأنه إنما يقال: تغمر الشارب إذا لم يرو، ويقال للقدح الصغير: الغمر من هذا.
وقوله:
ولا أكسر في ابن العم أظفاري
يقول: لا أغتابه، وهذا مثلٌ كما قال الحطيئة:
ملوا قراه وهرته كلابهموجرحوه بأنياب وأضراس
وقوله:
فقد يرى الله حال المدلج الساري
فالمدلج: الذي يسير من أول الليل، يقال: أدلجت، أي سرت من أول الليل، وأدلجت: أي سرت في السحر، قال زهير:
بكرن بكوراً وادلجن بسحرةٍ
والسرى لا يكون إلا سير الليل، قال الله ﷿: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ﴾ من قولك أسريت، وهي اللغة القرشية، وغيرهم من العرب يقول سريت، وقد جاء هذه اللغة في القرآن، قال الله ﷿: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾ فهذا من سرى،
ولو كان من" أسرى" لكان" يسري"، كما قال لبيد:
فبات وأسرى القوم آخر ليلهموما كان وقافاً بغير معصر
والمعصر الملجأ، والسري إنما هو من قولك سرى، كقولك: قضى فهو قاض، ومن أسرى يقال للفاعل: مسرٍ كما تقول: أعطى فهو معطٍ، كما قال الأخطل:
نازعتهم طيب الراح الشمول وقدصاح الدجاج وحانت وقعه الساري
والدجاج هاهنا: الديوك، يريد وقت السحر، لأنه يقال للديك: هذا دجاجة، فإن أردت الأنثى قلت، هذه، وكذلك هذا بقرة، وهذا بطة، وهذا حمامة إذا أردت الذكر، ولهذا باب يذكر فيه إن شاء الله. قال جرير:
لما تذكرت بالديرين أرقنيصوت الدجاج وقرع باانواقيس
وقوله:،" أرقني صوت الدجاج"، والأرق لايكون في آخر الليل وإنما يكون في جميعه.
وكذلك النواقيس لا تقرع أيضاً إلا في السحر فإنما أراد: أرقني انتظاري هذا الوقت، لأنه وعد فيه وعداً فهو منتظر له.
قال أبو الحسن: أنشدنا أبو العباس أحمد بن يحيى الأبيات الرائية المتقدمة بتمامها على ما أذكره لك عن أبي عبد الله بن العرابيٌ، وهي لأحد ابني حبناء أحسبه صخراٌ وهما من بني تميم، وكان من الأزارقة قال:
إني هزئت من أم الغمر إذ هزئتبشيب رأسي، وما بالشيب من عار
ما شقوة المرء بالإقتار يقترهولا سعادته يوماٌ باكثار
إن الشقي الذي في النار منزلهوالفوز فوز الذي ينجو من النار
أعوذ بالله من أمر يزين ليلوم العشيرة أو يدني من العار
وخير دنيا ينسي شر آخرةوسوف ينبئني الجبار أخباري
ثم يتفقان بعد الرواية، وكان ربما أنشدنا: " إني هزأت من آم الغمر".
النص من طبعة دار الفكر العربي بالقاهرة (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع