من «الكامل في اللغة والأدب» للمبرد (ت ٢٨٥هـ)
لأبي مخزوم النهشلي يفخر بقومه
وقال رجل يكنى أبا مخزوم، من بني نهشل بن دارم:
إنا بني نهشل لا ندعي لأبٍعنه، ولا هو بالأبناء يشرينا
إن تبتدر غايةٌ يوما لمكرمةٍتلق السوابق منا والمصلينا
وليس يهلك منا سيدٌ أبداًإلا افتلينا غلاما ًسيداً فينا
إني لمن معشرٍ أفنى أوائلهمقيل الكماة: ألا أين المحامونا؟
لو كان في الألف منا واحدٌ فدعوا:من فارس? خالهم إياه يعنونا
ولا تراهم وإن جلت رزيتهممع البكاة على من مات يبكونا
إنا لنرخص يوم الروع أنفسناولو نسام بها في الأمن إغلينا
إذا الكماة تنحوا أن ينالهمحد الظباة وصلناها بأيدينا
فرضٌ على مكثرينا نيل بذلهموالجود والبذل في طبع المقلينا
إني ومن كأبي يحيى وعترتهلا فخر إلا لنا أم من يوازينا
قوله: " إنا بني نهشل "يعني نهشل بن دارم بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم، ومن قال: "إنا بنو نهشل"، فقد خبرك، وجعل" بنو" خبر" إن"، ومن قال: " بتي"، إنما جعل الخبر:
إن تبتدر غاية يوما لمكرمةٍتلق السوابق منا والمصلينا
ونصب"بني" على فعل مضمر للاختصاص، وهذا أمدح، ومثله:
نحن بني ضبة أصحاب الجمل
أراد نحن أصحاب الجمل، ثم أبان من يختص بهذا، فقال: أعني بني ضبة وقرأ عيسى بن عمر: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ أراد وامرأته: ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ ثم عرفها بحمالة الحطب، وقوله: ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ﴾ بعد قوله: ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ إنما هو على هذا، وهو أبلغ في التعريف، وسنشرحه على حقيقة الشرح في موضعه إنشاء الله: وأكثر العرب ينشد:
إنا بني منقرٍ قوم ذوو حسبفينا سراة بني سعدٍ وناديها
قرأ بعض القراء: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ وقوله: "يشرينا "يريد يبيعنا، يقال: شراه يشريه إذا باعه، فهذه المعروفة، قال الله ﷿: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ﴾ وقال ابن مفرغٍ الحميري:
شريت برداً، ولولا ماتكنفنيمن الحوادث ما فارقته أبدا
ويكون" شريت" في معنى أشتريت، وهو من الأضداد وأنشدني التوزي:
اشروا لها خاتناً وابغوا لخنتتهامواسياً أربعأ فيهن تذكير
وقوله:
تلق السوابق منا والمصلينا
فالمصلي الذي في إثر السابق، وإنما سمي مصلياً لأنه مع صلوي السابق، وهما عرقان في الردف، قال الشاعر:
تركت الرمح يعمل في صلاهكأن سنانه خرطوم نسر
وقوله:
إلا افتلينا غلام سيداً فينا
مأخوذ من قولهم: فلوت الفلو يا فتى، إذا أخذته عن أمه، قال الأعشى:
ملمع لاعة الفؤاد إلى جحــش فلاه عنها، فبئس الفالي
وأخذ هذا المعنى من قول أبي الطمحان القيني:
إذا مات منهم سيدٌ قام صاحبه
وقوله:
لو كان في الألف منا واحد فدعوا:من فارس? خالهم إياه يعنونا
مأخوذ من قول طرفة:
إذا القوم قالوا: من فتى? خلت أننيعينت، فلم أكسل ولم أتبلد
ومن قول متمم بن نويرة:
إذا القوم قالوا: من فتى لعظيمةٍفما كلهم يدعى، ولكنه الفتى
وقوله؛" حد الظباة"، فالظبة الحد بعينه، يقال: أصابته ظبة السيف، وظبة النصل، وجمعه ظبات وأراد بالظبة ههنا موضوع المضرب من السيف وأخذ هذا المعنى من قول كعب بن مالك:
نصل السيوف إذا قصرنا بخطوناقدماً، ونلحقها إذا لم تلحق
وقوله:
إنا لنرخص يوم الروع أنفسنا
أخذه من قول الهمداني وهو الأجدع أبو مسروق بن الأجدع الفقيه:
لقد علمت نسوان هدمان أننيلهن غداة الروع غير خذول
وأبذل في الهيجاء وجهي وإننيله في سوى الهيجاء غير بذول
ومن القتال الكلابي حيث يقول:
أنا ابن الأكرمين بني قشيروأخوالي الكرام بنو كلاب
نعرض للطعان إذا التقيناوجوهاً لا تعرض للسباب
النص من طبعة دار الفكر العربي بالقاهرة (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع