تجاوز إلى المحتوى

من «الكامل في اللغة والأدب» للمبرد (ت ٢٨٥هـ)

لعمارة بن عقيل حينما أمره أبو سعد التميمي أن يضع يده في يد أبي نصر الطائي

قال أبو العباس: وأنشدني عمارة لنفسه وسبب هذا الشعر الذي نذكره أن رجلا من بني تميم، يكنى أبا سعد، كان منقطعاٌ إلى أبي نصر بن حميد الطائي، ثم أحد بني نبهان، وكان أبو نصر والياً على العرب، وكتب أبو سعد إلى عمارة يأمره أن يضع يده في يد أبي نصر، فقال عمارة:

دعاني أبو سعدٍ وأهدى نصيحةٌإلي، ومما أن تغر النصائح
للشاعر عمارة بن عقيل، اقرأ القصيدة
لأجزر لحمي كلب نبهان كالذيدعا القاسطي حتفه وهو نازح
للشاعر عمارة بن عقيل، اقرأ القصيدة
أو البرمجي حين أهداه حينهلنار عليها موقدان وذابح
ورأي أبي سعدٍ وإن كان حازماًبصيراً وإن ضاقت عليه المسارح
للشاعر عمارة بن عقيل، اقرأ القصيدة
أعار به ملعون نبهان سيفهعلى قومه، والقول عافٍ وجارح
للشاعر عمارة بن عقيل، اقرأ القصيدة
ونصر الفتى في الحرب أعداء قومهعلى قومه للمرء ذي الطعم فاضح
للشاعر عمارة بن عقيل، اقرأ القصيدة

قوله: "لأجزر لحمي كلب نبهان" أي لأكون جزرة له، والجزرة: البدنة تنحر، يقال أجزرت فلاناً، وتركت فلاناً جزراً، قال عنترة العبسي:

إن تشتما عرضي فإن أباكماجزر السباع وكل نسرٍ قشعم

وقوله:

كالذي دعا القاسطي حتفه وهو نازح

فهذا الرجل من النمر بن قاسطٍ، خرج يبتغي قرطاً من بعدٍ، فنهشته حية فمات، وهو أحد القارظين. والقارظ الأول من عنزة، كان خرج مع ابن عم له في طلب القرظ، فقتله ابن عمه، لأنه كان يريد ابنته فمنعه منها، قال أبو خراش الهذلي:

وحتى يؤوب القارظان كلاهماوينشر في القتلى كليب لوائل
للشاعر أبو ذؤيب الهذلي، من قصيدة «أساءلت رسم الدار أم لم تسائل»

وقوله "كالذي دعا القاسطي حتفه" الهاء في حتفه ترجع على الذي وتقديره كالسبب الذي دعا القاسطي حتفه.

وقوله: "أبو البرمجي" فهذا الرجل من البراجم، وهم بنو مالك بن حنظلة كان عمرو بن هند لما قتل بني دارم بأوراة، وكان سبب ذلك أن أخاه أسعد بن المنذر وكان مسترضعاً في بني دارمٍ، في حجر حاجب بن زرارة بن عدس بن زيد بن عبد الله بن دارم- انصرف ذات يوم من صيده وبه نبيذٌ، كما يعبث الملوك، فرماه رجل من بني دارم بسهم فقتله. ففي ذلك يقول القائل، وهو عمرو بن ملقطٍ الطائي لعمرو بن هند:

فاقتل زرارة لا أرىفي القوم أوفى من زرارة

فغزاهم عمرو بن هند، فقتلهم يوم القصيبة ويوم أوارة، ففي ذلك يقول الأعشى:

وتكون في الشرف الموزي منقراً وبني زرارة
أبناء قومٍ قتلوايوم القصيبة والأوراة

ثم أقسم عمرو بن هند ليحرقن منهم مائة، فبذلك سمي محرقاً، فأخذ تسعة وتسعين رجلاً فقذهم في النار، ثم أراد أن يبر قسمه بعجوز منهم لتكمل بها

العدة، فلما أمر بها قالت العجوز: ألا فتى يفدي هذه العجوز بنفسه! ثم قالت: "هيهات صارت الفتيان حمماً"! ومر وافد البراجموهو الذي ذكرنا - فاشتم رائحة اللحم، فظن أن الملك يتخذ طعاماً، فعرج إليه فأتي به إليه، فقال له: من أنت? فقال: ابيت اللعن? أنا وافد البراجم، فقال: "إن الشقي وافد البراجم". ثم أمر به فقذف في النار، ففي ذلك يقول جرير يعير الفرزدق:

أين الذين بنار عمرو حرقواأم أين أسعد فيكم المسترضع!

وقال أيضاً:

وأخزاكم عمرو كما قال قد خزيتموأدرك عماراً شقي البراجم

وقال الطرماح:

ودارم قد قذفنا منهم مائةًفي جاحم النار إذ ينزون بالخدد
للشاعر الطرماح، من قصيدة «إنَّ الفؤادَ هفَا للبائنِ الغردِ»
ينزون بالمشتوى منها ويوقدهاعمرو، ولولا شحوم القوم لم تقد
للشاعر الطرماح، من قصيدة «إن الفؤاد للبائن الغرد»

ولذلك عيرت بنو تميم بحب الطعام، يعني لطمع البرجمي في الأكل. قال يزيد بن عمرو بن الصعق أحد بني عمرو بن كلاب:

ألا أبلغ لديك بني تميمبآية ما يحبون الطعاما

وقال الأخر:

إذا ما مات ميتٌ من تميمفسرك أن يعيشك فجىء بزاد
بخبر أو بتمر أو بلحمأو الشيء الملفف في البجاد
تراه ينقب البطحاء حولاًليأكل رأس لقمان بن عاد

وقوله: "للمرء ذي الطعم" يعني الراجع إلى عقل، يقال: ليس فلان بذي طعم، وفلان ليس بذي نزل، أي ليس بذي عقل ولا معرفة، وإنما يقال: هذا طعام ليس له نزل إذا لم يكن ذا ريع، ومن قال: "نزل "في هذا المعنى فقد أخطأ.

النص من طبعة دار الفكر العربي بالقاهرة (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الكامل في اللغة والأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.