من «الكامل في اللغة والأدب» للمبرد (ت ٢٨٥هـ)
لحسان بن ثابت يهجو مسافع بن عياض التيمي
قال أبو العباس: قال حسان بن ثابت يهجو مسافع بن عياض التيمي، من تيم بن مرة بن كعب بن لؤي، رهط أبي بكر الصديق ﵀:
لو كنت من هاشم أو من بني أسدٍأو عبد شمس أو اصحاب اللوا الصيد
أو من بني نوفل أو رهط مطلبٍلله درك لم تهمم بتهديدي
أو في الذؤابة من قوم ذوي حسبٍلم تصبح اليوم نكساً ثاني الجيد
أومن بني زهرة الأخيار قد علمواأومن بني جمح البيض المناجيد
أو في السرارة من تيم رضيت بهمأو من بني خلف الخضر الجلاعيد
يا آل تيم ألاينهى سفيهكمقبل القذاف بقول كالجلاميد
لولا الرسول فإني لست عاصيةحتى يغيبني في الرمس ملحودي
وصاحب الغار إني سوف أحفظكوطلحة بن عبد الله ذو الجود
لقد رميت بها شنعاء فاضحةيظل منها صحيح القوم كالمودي
قوله: "لو كنت من هاشم" يريد هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة، والنضر أبو قريش، ومن كان من بني كنانة لم يلده النضر فليس بقرشي. وبنو أسد بن عبد العزى بن قصي. وعبد شمس هو عبد شمس، بن عبد مناف بن قصي. وأصحاب اللواء بنو عبد الدار بن قصي. واللواء ممدود إذا أردت به لواء الأمير، ولكنه احتاج إليه فقصره، وقد بينا جواز ذلك، فأما اللوى من الرمل فمقصور، قال امرؤ القيس:
بسقط اللوى بين الدخول وحومل
كذا يرويه الأصمعي، وهذه أصح الروايات.
وقوله: "أو من بني نوفل" فهو نوفل بن عبد مناف بن قصي. والمطلب الذي ذكره هو ابن عبد مناف بن قصي.
وقوله: "لم تصبح اليوم نكساً"، فالنكس الدنيء المقصر. ويقول بعضهم: إن أصل ذلك في السهام، وذلك أن السهم إذا ارتدع أو نالته أفة نكس في الكنانة ليعرف من غيره قال الحطيئة:
قد ناضلوك فأبدوا من كنانتهم
مجداً تليداً ونبلا غير أنكاس
قوله: "مجداً تليداً"، قالوا: نواصي الفرسان" الذين كان يمن عليهم.
وقوله: "ثاني الجيد" قد مر تفسيره في قول الله ﷿: ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وقوله: "أو من بني زهرة"، فهو زهرة بن كلاب بن مرة. ويروى أن رسول الله ﷺ قال: "خلقت من خير حيين: من هاشم وزهرة" وبنو جمح بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي.
وقوله: "الناجيد" مفاعيل، من النجدة، والواحدة منجاد، وإنما يقال ذلك في تكثير الفعل، كما تقول: رجل مطعان بالرمح، ومطعام للطعام.
وقوله:
أو في السرارة من تيم رضيت بهم
يقول: في الصميم منهم والموضع المرضي، وأصل ذلك في التربة، تقول العرب: إذا غرست فاغرس في سرارة الوادي، ويقال: فلان في سر قومه، والسرة مثل ذلك، قال القرشي:
هلا سألت عن الذين تبطحواكرم البطاح وخير سرة واد
وعن الذين أبو فلم يستكرهواأن ينزلوا الولجات من أجياد
يخبرك أهل العلم أن بيوتنامنها بخير مضارب الأوتاد
وقوله: "أو من بني خلف الخضر"، فإنه حذف التنوين لالتقاء الساكنين.
وليس بالوجه، وإنما يحذف من الحرف لالتقاء الساكنين حروف المد واللين، وهي الألف، والياء المكسور ما قبلها، والواو المضموم ما قبلها، نحو قولك: هذا قفا الرجل، وقاضي الرجل، ويغزو القوم، فلأما التنوين فجاز فيه هذا. لأنه نون في اللفظ، والنون تدغم في الياء والواو، وتزاد كما تزاد حروف المد واللين، ويبدل بعضها من بعض، فتقول: رأيت زيداٌ فتبدل الألف من التنوين، وتقول في النسب إلى صنعاء وبهراء صنعاني وبهراني، فتبدل النون من ألف التأنيت، وهذه جملة وتفسيرها كثير، فلذلك حذف، ومثل هذا من الشعر:
عمرو الذي هشم الثريد لقومهورجال مكة مسنتون عجاف
وقال آخر:
حميد الذي أمجٌ دارهأخو الخمر ذو الشيبة الأصلع
وقرأ بعض القراء: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ وسمعت عمارة بن عقيل يقرأ: ﴿وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾، فقلت: ما تريد ? فقال: "سابقٌ النهار". وقوله: "أواصحاب اللوا"، فإنما خفف الهمزة،
وتخفف إذا كان قبلها ساكنٌ، فتطرح حركتها على الساكن وتحذف، كقولك: من أبوك? وقوله ﷿: ﴿الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.
وخلف الذي ذكره من بني جمح بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي.
وقوله: "الخضر الجلاعيد" يقال: فيه قولان: أحدهما أنه يريد سواد جلودهم، كما قال الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهبٍ:
وأنا الأخضر من يعرفنيأخضر الجلدة في بيت العرب
فهذا هو القول الأول. وقال آخرون: شبههم في جودهم بالبحور. وقوله: "الجلاعيد"، يريد الشداد الصلاب، واحدهم جلعدٌ، وزاد الياء للحاجة، وهذا جمعٌ يجيء كثيراً، وذلك أنه موضع تلزمه الكسرة، فتشبع فتصير ياءً، يقال في خاتم: خواتيم، وفي دانقٍ دوانيق، وفي طابق طوابيق قال الفرزدق في مثل هذا الجمع:
تنفي يداها الحصى في كل هاجرةٍنفي الدراهيم تنقاد الصياريف
وقوله: "قبل القذاف" يريد المقاذفة، وهذه تكون من اثنين فما فوقهما، نحو المقاتلة والمشاتمة، فباب "فاعلت" إنما هو للاثنين فصاعداً، نحو قاتلت وضاربت، وقد تكون الألف زائدة في فاعلت فتبنى للواحد، كما زيدت الهمزة أولاٌ في "أفعلت "فتكون للواحد، نحو عاقبت اللص، وعافاه الله، وطارقت نعلي.
وقوله: "وصاحب الغار"، يعني أبا بكر ﵀، لمصاحبته النبي ﷺ في الغار، وهذا مشهور لايحتاج إلى تفسيره.
وطلحة بن عبيد الله نسبه إلى الجود لأنه كان من أجود قريش. وحدثني التوزي قال: كان يقال لطلحة بن عبيد الله: طلحة الطلحات، وطلحة الخير، وطلحة الجود. وذكر التوزي عن الأصمعي أنه باع ضيعةٌ له بخمسة عشر ألف
درهم، فقسمها في الأطباق. وفي بعض الحديث أنه منعه أن يخرج إلى المسجد أن له بين ثوبين.
وحدثني العتبي في إسناد ذكره قال: دعا طلحة بن عبيد الله أبا بكر وعمر وعثمان رحمة الله عليهم، فأبطأ عنه الغلام بشيء أراده، فقال طلحة: يا غلام، فقال الغلام: لبيك فقال طلحة: لا لبيك فقال أبو بكر: ما يسرني أني قلتها وأن لي الدنيا وما فيها. وقال عمر: ما يسرني أني قلتها ولي نصف الدنيا. قال عثمان: ما يسرني أني قلتها وأن لي حمر النعم قال: وصمت عليها أبو محمد، فلما خرجوا من عنده باع ضيعةً بخمسة عش ألف درهم، فتصدق بثمنها.
وقوله:
يظل منها صحيح القوم كالمودي
فالمودي في هذا الموضع الهالك، وللمودي موضع آخر يكون فيه القوي الجاد، حدثني بذلك التوزي في كتاب الأضداد، وأنشدني:
مودون السبيل السابلا
النص من طبعة دار الفكر العربي بالقاهرة (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع