من «الكامل في اللغة والأدب» للمبرد (ت ٢٨٥هـ)
لإسماعيل بن القاسم أيضا
وقال إسماعيل بن القاسم:
يا من يعيب وعيبه متشعبكم فيك من عيب وأنت تعيب!
لله درك كيف أنت وغايةٌيدعوك ربك عندها فتجيب
وقال أيضاً:
يا علي بن ثابت بأمن منيصاحب جل فقده يوم بنتا
يا علي بن ثابت أي أنتأين أنت أنت بين القبور حيث دفنتا
قد لعمري حكيت لفي قصص الموت وحركتني لها وسكنتا
وقال أيضاً:
صاحب كان لي هلكوالسبيل التي سلك
يا علي بن ثابتغفر الله لي ولك
كل حي مملكسوف يفنى ومالك
وقال أيضاُ:
طوتك خطوب دهرك كبعد نشرٍكذاك خطوبه نشراً وطيا
فلو نشرت قواك لي المناياشكوت إليك ما صنعت إليا
بكيتك يا أُخي بدمع عينيفلم يغني البكاء عليك شيا
كفى حزناً بدفنك ثم إنينفضت تراب قبرك عن يديا
وكانت في حياتك لي عضاتوأنت اليوم أوعظ منك حيا
وكان إسماعيل بن القاسم لا يكاد يخلي شعر من تقدم من الأخبار والآثار فينظم ذلك الكلام المشهود، ويناوله أقرب متناول، ويسرقه أخفى سرقة.
فقوله: وأنت اليوم أوعظ منك حيا، إنما أخذه من قول الموبذ لقباد الملك حيث مات، فإنه قال في ذلك الوقت: كان الملك أمسى أن انطق منه اليوم. وهو اليوم أوعظ منه أمس.
واحذ قوله:
قد لعمري حكيت لي قصص الموت وحركتني لها وسكنتا
من قول نادب الإسكندر فإنه لما مات بكى من بحضرته فقال نادبه حركنا بسكونه.
لإسماعيل بن القاسم أيضا
وقال إسماعيل بن القاسم:
ياعجباً للناس لو فكرروا،حاسبوا أنفسهم أبصروا
وعبروا الدنيا إلى غيرهافإنما الدنيا لهم معبر
الخير مما ليس يخفى هو الــمعروف والشر هو المنكر
والموعد الموت وما بعده الــحشر الموعد الأكبر
لافخر إلا فخر أهل التقىغداً إذا ضمهم المحشر
ليعلمن الناس ان التقىالبر كانا خير ما يذخر
عجبت للإنسان في فخرهوهو غداً في قبره يقبر
ما بال من أوله نطفةوجيفة آخره يفخر!
أصبح لا يملك تقديم مايرجو ولا تأخير ما يحذر
وأصبح الأمر إلى غيرهفي كل ما يقضى وما يقدر
أما قوله:
ياعجباً للناس لو فكرواوحاسبوا أنفسهم أبصروا
فمأخوذ من قولهم: الفكرة مرآة تريك حسنك من قبيحك. ومن قول لقمان لابنه: يا بنيّ لعاقل أن يخلي نفسه من أربعة أوقات: فوقت منها يناجي فيه ربّه، وقت يحاسب فيه نفسه، ووقت يكسب فيه لمعاشه، ووقت يخلي فيه بين نفسه وبين ذاتها، ليستعين بذلك على سائر الأوقات.
وقوله:
وعبروا الدنيا إلى غيرهافإنما الدنيا لهم معبر
مأخوذ من قول الحسن: اجعل الدنيا كالقنطرة تجوز عليها ولا تعمرها.
وقوله:
الخير مما ليس يخفى هو الــمعروف والشر هو المنكر
مأخوذ من حديث عبد الله بن عمر بن العاص، قال: قال رسول الله ﷺ: "يا عبد الله كيف بك إذا بقيت في حثالة من الناس مرجت عهودهم وأماناتهم، وصار الناس هكذا". وشبه بين أصابعه، فقلت: مرني يا رسول الله، فقال: "خذ ما عرفت ودع ما أنكرت، وعليك بخويصّة نفسك، وإياك وعوامّها".
قوله ﷺ: "في حثالة الناس" أما الحثالة فهو ما يبقى في الإناء من ردي الطعام، وضربه مثلاً. وقوله: "مرجت عهودهم". يقول: اختلطت وذهبن بهم كل مذهب، يقال: مرج الماء إذا سال ولم يكن له مانع، قال الله ﷿: ﴿مرج البحرين يلتقيان﴾.
وقوله:
ليعلمن الناس إن التقىوالبر كانا خير ما يذخر
مأخوذ من قول أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "إذا حشر الناس في صعيد واحد نادى منادٍ من قبل العرش: ليعلمن أهل لا لموقف، من أهل الكرم اليوم? ليقم المتقون! " ثم تلا رسول الله صلى الله وعليه وسلم: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ وقوله:
ما بال من أوله نطفةوجيفة آخره يفخر
مأخوذ منقول علي بن أبي طالب رشي الله عنه: وما ابن آدم والفخر إنما أوله نطفة، آخره جيفة، لا يرزق نفسه، ولا يدفع حتفه.
النص من طبعة دار الفكر العربي بالقاهرة (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع