من «الكامل في اللغة والأدب» للمبرد (ت ٢٨٥هـ)
لإسحاق بن خلف البهراتي يمدح علي بن عيسى القمى
ومما يستحسن من أشعار المحدثين قول إسحاق بن خلف البهراتي، ونسبه في بني حنيفة لسباء وقع عليه، يقول لعلي بن عيسى بن مريم بن موسى بن طلحة الأشعري المعروف بالقمي:
وللكرد منك إذا زرتهمبكيدك يوم كيوم الحمل
ومازال عيسى بن موسى لهمواهب غير النطاف المكل
لسل السيوف وشق الصفوفلنقض الترات وضرب القلل
ولبس العجاجة والخافقاتتريك المنا برؤوس الأسل
وقد كشرت عن شبا نابهاعروس المنية بين الشعل
وجاءت تهادى وأبناؤهاكأن عليهم شروق الطفل
خروسٌ نطوق إذا استنطقتجهول تطيش على من جهل
إذا خطبت أخذت مهرهارؤوساً تحادر قبل النقل
ألد إليه من المسمعاتوحث الكؤوسه في يوم طل
وشرب المدام ومن يشتهيهمعاط له بمزاح القبل
بعثنا النّواعج تحت الرحالتسافه أشدقها في الجدل
إذا ما حدين بمدح الأميرسبقن لحاظ المحثّ العجل
قوله: "تريك المنا" يريد المنايا وهذه كلمة تخف على ألسنتهم فيحذفونها، وزعم الأصمعي أنه سمع العرب تقول: درس المنا، يريدون المنازل، وجاء في التخفيف أعجب من هذا، حدثنا بعض أصحابنا عن الأصمعي وذكره سيبويه في كتابه ولم يذكر قائله، ولكن الأصمعي قال: كان أخوان متجاوران لا يكلم كل واحد منهما صاحبه سائر سنته حتى يأتي وقت الرعي. فيقول أحدهما لصاحبه: ألاتا? فيقول الآخر: بلى فا، يريد: ألا تنهض? فيقول الآخر، فأنهض. وحكى سيبويه في هذا الباب:
بالخير خيراتٍ وإن شراً فاولا أريد الشر إلا أن تا
يريد: وإن شراً فشر، ولا أريد الشر إلا أن تريد.
وهذا خلاف ما تستعمله الحكماء، فإنه يقال: إن اللسان إذا كثرت حركته، رقت عذبته.
وحدثني أبو عثمان الجاحظ قال: قال لي محمد الجهم: لما كانت أيام الزّط أدمنت الفكر، وأمسكت عن القول، فأصابتني حبسةً في لساني.
وقال رجل من الأعراب يذكر آخر منهم:
كأن فيه لففاً إذا نطقمن طوال تحبيسٍ وهم وأرق
وقال رجل لخالد بن صفوان: إنك لتكثر، فقال: أكثر لضربين: أحدهما فيما لاتغني فيه القلّة، والآخر لتمرين اللسان، فإن حبسه يورث العقلة.
وكان خالد يقول: لا تكون بليغاً حتى تكلم أمتك السوداء في الليلة الظلماء، في الحاجة المهمة، بما تكلم به في نادي قومك، فإنما اللسان عضوٌ إذا مرنته، مرن، وإذا أهملته خار، كاليد التي تخشنها بالممارسة، والبدن الذي تقويه برفع الحجر وما أشبه، والرّجل إذا عودته المشي مشت.
وقال عمر بن الخطاب ﵁: لا تزالون أصحاء ما نزعتم ونزوتم. فتزعم في القسي، نزوتم على طهور الخيل.
وقال بعض الحكماء: لا ينبغي للعاقل إن يخلي نفسه من ثلاث في غير إفراط الأكل، والمشي، والجماع. فأما الأكل فإن الأمعاء تضيق لتركه، وكان ابن الزبير ﵀ يواصل فيما ذكروا بين خمس عشرة من يوم وليلة، ثم يفطر على سمن وصبر ليفتق أمعاءه. قال أبو العباس: قال الأول: والمشي، إن لم تتعهده أوشكت ان تطلبه فلا تجده، والجماع كالبئر إن نزحت جمّت، وإن تركت تحيّر ماؤها، وحق هذا كله القصد.
وقوله:
كأن عليهم شروق الطفل
يريد: تألق الحديد، كأنه شمس طالعة عليهم، وإن لم تكن شمس وأحسن من هذا قوله سلامه بن جندل:
كأن النّعام باض فوق رؤوسهموأعينهم تحت الحديد جواحم
فهذا التشبيه المصيب.
وأما قوله:
أحب إليه من المسمعات
فقد قال مثله القاسم بن عيسى بن إدريس أبو ذلف العجلي:
يوماي يوم في أويس كالدمىلهوي، ويوم في قتال الديلم
هذا حليف غلائل مكسوةمسكاً وصافية كنضح العندم
ولذاك خالصة الدروع وضمّرٌيكسوننا رهج الغبار الأقتم
وليومهن الفضل لولا لذّةسبقت بطعن الدّيلميّ المعلم
وأول هذه القصيدة طريق مستملح، وهو:
طواه الهوى فطوى من عدلوحالف ذا الصبوة المختبل
وأما قوله:
تسافه أشداقها في الجدل
فتسافه من السفه، وإنما يصفها بالمرح، وانها تميل ذا كذا مرة، كما
قال رؤبة:
يمشي العرضنى في الحديد المتقن
وكما قال الآخر:
إذا رأى السوط مشى الهيدبىويتقى الأرض بمعج رقاق
وكما قال الحطيئة:
وإن آنست حسا من السوط عارضتبي الجور حتى تستقيم ضحى الغد
والجدل: جمع جديل وهو الزمام المجدول، كما تقول: قتيل ومقتول، وأدنى العدد أجدلة، كقولك: قضيب وقضب وأقضبة، وكذلك كثيب ورغيف وجريت، وفعلان في المثير، يقال قضبان ورغيفان وجربان، ومثل قوله:
تسافه أشداقها في الجدل
قول حبيب بن أوس الطائي:
سفيه الرمح جاهله إذا مابدا فضل السفيه على الحليم
لإسحاق أيضاُ يمدح الحسن بن سهل
ومما يستحسن من شعر إسحاق هذا قوله في الحسن بن سهل:
باب الأمير عراء ما به أحدإلا امرؤ واضع كفا على ذقن
قالت وقد أملت ما كنت آملههذا الأمير ابن سهل حاتم اليمن
كفيتك الناس لا تلقى أخا طلببفيء دارك يستعدي على الزمن
إن الرجاء الذي قد كنت آملهوضعته ورجاء الناس في كفن
في الله منه وجدوى كفه خلفٌليس السدى والندى في راحة الحسن
وإسحاق هذا هو الذي يقول في صفة السيف:
ألقى بجانب خصرهأمضى من الأجل المتاح
وكأنما ذر الهباء عليه أنفاس الرياح
وإسحاق هذا هو الذي يقول في مدح العربية:
النحو يبسط من لسان الألكنوالمرة تكرمه إذا يلحن
وإذا طلبت من العلوم اجلهافاجلها منها مقيم الألسن
قال أبو العباس: واحسبه أخذ قوله:
والمرء تكرمه إذا لم يلحن
من حديث حدثناه أبو عثمان الخز اعي عن الأصمعي قال: كان يقال: ثلاثة يحكم لهم بالنبل حتى يدرى من هم: رجل رأيته راكباً، أو سمعته يعرب،
أو شممت منه طيباً. وثلاثة يحكم عليهم بالاستصغار حتى يدرى من هم. وهم: بالفارسية، أو رجل رأيته على ظهر طريق ينازع في القدر.
النص من طبعة دار الفكر العربي بالقاهرة (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع