من «الكامل في اللغة والأدب» للمبرد (ت ٢٨٥هـ)
للحكمي أبي نواس أيضاُ
وقال الحكمي أبو نواس:
أخي ما بال قلبك ليس ينفيكأنك لاتظن الموت حقاً
ألا يا أبن الذين فنوا وبادواأما والله ما ذهبوا لتبقى
وما أحد بزادك منك أحظىوما أحد بزادك منك أشقى
ولا لك غير تقوى الله زادٌإذا جعلت إلى اللهوات ترقى
ومما يستحسن من شعره قوله:
لا أذود الطير عن شجرقد بلوت المر من ثمرة
فمثل هذا لو تقدم لكان في صدور الأمثال، كذالك قوله أيضاً:
فامض لاتمنن عليّ يداًمنك المعروف من كدرة
وكان يقول: ذكر المعروف من المنعم إفساد له، وكتمانه من النعم عليه كفر له، وفي الشعر أبيات مختارة، فمنها:
وإذا مجّ القنا علقاوتراءى الموت في صورة
راح في ثنيي مفاضتهأسد يدمى شبا ظفره
تتأبّى الطير غدوتهثقة بالشبع من جزره
فاسل عن نوء تؤملهحسبك العباس من مطره
لا تعطّى عنه مكرمةبربا واد ولا خمره
ذللت تلك الفجاج لهفهو مجتاز على بصره
وقد عابوا عليه قوله:
كيف لا يدنيك من أملمن رسول الله من نفره
وهو لعمري كلام مستهجن موضوع في غير موضعه، لأن حق رسول الله صلى الله وعليه وسلم أن يضاف إليه، ولا يضاف إلى غيره، ولو اتسع متسع فأجراه في باب الحيلة لخرج على الاحتيال، ولكنه عسر موضوع في غير موضعه، وباب الاحتيال فيه أن، تقول: قد يقول القائل من بني هاشم لغيره من أفناء قريش: منا رسول الله صلى الله وعليه وسلم،
وحق هذا أنه من القبيل الذي أنا منه. فقد أضاف إلى نفسه، وكذلك يقول القرشي لسائر العرب، كما قال حسان بن ثابت:
مازال في الإسلام من آل هاشمدعائم عز لاترام ومفخر
بهاليل منهم جعفر وابن أمهعلي ومنهم أحمد المتخيّر
فقال: منهم كما قال من نفره، من النفر الذين العباس هذا الممدوح منهم.
وأما قول حسّان: منهم جعفر وابن أبن أمه عليّ ومنهم أحمد المتحيز فإن، العرب إذا كان العطف بالواو قدمت وأخرت، قال الله ﵎: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾، وقال: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ﴾، وقال: ﴿وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾، ولو كان بثم أو بالفاء لم يصلح إلا تقديم المقدم، ثم الذي يليه واحداً: أحدا.
وأما قوله في هذا الشعر:
وكريم الخال من يمنٍوكريم العم من مضره
فأضاف مضر إليه، فهو كلام لا يمنع منه ممتنع، قال علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه يوم الحمل للأشتر وهو مالك بن الحارث أخذ النخع ابن مرو بن علة بن جلد وكان على الميمنة: احمل. في أصحابه فكشف من بإزائه، ثم قال لهاشم بن عتبة بن مالك أحد بني زهرة بن كلاب وكان على المسيرة احمل. فحمل في المضرية فكشف من بإزائه. فقال علي ﵁ لأصحابه: كيف رأيتم مضري ويمني! فأضاف القبيلتين إلى نفسه، قال جرير:
إن الذين ابتنوا مجداً ومكرمةًتلكم قريشي والأنصار أنصاري
النص من طبعة دار الفكر العربي بالقاهرة (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع