تجاوز إلى المحتوى

من «الكامل في اللغة والأدب» للمبرد (ت ٢٨٥هـ)

أبو رافع مولى الرسول ﵇

قال أبو العباس: قال الليثيّ: اعتق سعيد بن العاصي أبا رافع إلا سهماً واحداً فيه، من أسهم لم يسمّ عددها لنا، فاشترى رسول الله ﷺ ذلك السهم فاعتقه. وكان لأبي رافع بنون أشراف، منهم عبيد الله بن رافع، وحديثه أثبت الحديث عليّ بن أبي طالب، وكان كالكاتب له، وكان عبيد الله بن أبي رافع شريفاً، وكان عبيد الله ينسب إلى ولاء رسول الله ﷺ، فلما ولي عمرو بن سعيد الأشدق المدينة لم يعمل شيئاً قبل إرساله إلى عبيد الله بن أبي رافع، فقال له: مولى من أنت? فقال: مولى رسول الله ﷺ، فأبرزه فضربه مائة سوطٍ، ثم قال له: مولى من أنت? فقال: مولى رسول الله ﷺ، فضربه مائة أخرى. فلما رأى عبد الله غير راجع، وأن عمراً قد ألحّ عليه في ضربه، قام إلى عمروٍ فقال له: اذكر الملح، فأمسك عنه. والملح ههنا اللّبن، يريد الرّضاع، كما قال أبو الطّمحان القينيّ:

وإنّي لأرجو ملحها في بطونكموما بسطت من جلد أشعث أغبرا
للشاعر أبو الطَمحان القَيني، اقرأ القصيدة

[كذا وقعت الرواية، والصواب "أغبر" لأن قبله:

ولو علمت صرف البيوع لسرّهابمكّة أن تبتاع حمضاً بإذخر

قاله ش].

وكما قال الآخر:

لا يبعد الله ربّ العبادوالملح ما ولدت خالده
للشاعر عبد الله بن الزبعرى، اقرأ القصيدة

ويروى أن عبيد الله بن أبي رافع أتى الحسن بن علي بن أبي طالب فقال: أنا مولاك، فقال في ذلك مولى لتمّام بن عبد المطّلب، يعذله ويعيّره:

جحدت بني العباس حقّ أبيهمفما كنت في الدّعوى كريم العواقب
متى كان أولاد البنات كوارثيحوز ويدعى والداً في المناسب!

يريد انّ العباس أولى بولاء مولى رسول الله ﷺ، لأن العمّ مدعوٌّ والداّ في كتاب الله تعالى، وهو يحوز الميراث.

وقال رجلٌ من الثّقفيّين: أنشدت مروان بن أبي حفصة هذين البيتيتن، فوقع عندي أنه من هذا أخذ قوله:

أنّى يكون وليس ذاك بكائنلبني البنات وراثة الأعمام
للشاعر مروان بن أبي حفصة، من قصيدة «طاف الخيال وحيه بسلام»
ألغى سهامهم الكتاب فما لهمان يشرعوا فيه بغير سهام

وقال طاهر بن عليّ بن سليمان بن علي بن عبد الله بن العباس للطالبيين:

لو كان جدّكم هناك وجدّنافتنازعا فيها لوقت خصام
كان التّراث لجدّنا من دونهفحواه بالقربى وبالإسلام
حقّ البنات فريضةٌ معروفةٌوالعمّ أولى من بني الأعمام

وذكر الزّبيريون عن ابن الماجشون قال: جاءني رجل من ولد أبي رافع، فقال: إنّي قد قاولت رجلاً من موالي بعض العرب، فقلت: أنا خيرٌ منك، فقال: بل أنا خير منك، فما الذي يجب لي عليه? فقلت: ليس في هذا شيء، فقال: أنا مولى رسول الله ﷺ ويزعم أنه خير مني! قال: قلت: قد يتصرّف هذا على غير الحسب، قال: فلما رآني لا أٌقضي له بشيء قال لي: أنت دافع مغرماً لأن ولائي ولاء عنده ليس في موضعٍ مرضيّ? قال وصدق: في بني تيمٍ لتيمٍ من هو أشرف ولاء منّي.

النص من طبعة دار الفكر العربي بالقاهرة (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الكامل في اللغة والأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.