من «الكامل في اللغة والأدب» للمبرد (ت ٢٨٥هـ)
من ألفاظ الكنايات
وأهل الحجاز يرزن النكاح العقد دون الفعل، ولا ينكرونه في الفعل ويحتجّون بقول الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾، فهذا الأشيع في كلام العرب، قال الأعشى:
وأمتنعت نفسي من الغانيات إمّا نكاحاً وإما أزن
ومن كل بيضاء رعبوبةٍلها بشرٌ ناصعٌ كاللّبن
ويكون النّكاح الجماع، وهو في الأصل كناية، قال الراجز:
إذا زنيت فأجد نكاحاًوأعمل الغدوّ والرّواحا
والكناية تقع عن هذا الباب كثيراً، والأصل ما ذكرنا لك، وفال رسول الله ﷺ: "أنا من نكاح لا من سفاح". ومن خطب المسلمين: "إن الله ﷿ أحلّ النّكاح وحرم السّفاح".
والكناية تقع على جماع، قال الله ﷿: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾، فهذه كناية عن الجماع، قال أكثر الفقهاء في قوله تبارك
وتعالى: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾، قالوا: كناية عن الجماع، وليس الأمر عندنا كذلك، وما أصف مذهب اهل المدينة، قد فرغ من النكاح تصريحاً، وإنما الملامسة ان يلمسها الرجل بيد أو بإدناء جسدٍ من جسدٍ، فذلك ينقض الوضوء في قول أهل المدينة، لأنه قال ﵎ بعد ذكر الجنب: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾.
وقوله ﷿: ﴿كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ﴾، كنايةٌ بإجماع عن قضاء الحاجة، لأن كلّ من يأكل الطعام في الدنيا أنجى، يقال: نجا وأنجى، إذا قام لحاجة الإنسان. وكذلك: ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا﴾. كناية عن الفروج، ومثله: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾، فإنما الغائط كالوادي، وقال عمرو بن معدي كرب:
وكم من غائط من دون سلمىقليل الإنس ليس به كتيع
ويقال: وهم الرجل يوهم، إذا شكّ، وهو الجود، ويجوز: ييهم، وييهم، وياهم، لعلل، وكذلك ما كان مثله، نحو: وجل يوجل ووحل يوحل، ووجع يوجع، ويجوز في وهم أن تقول: "يهم" فإن المعتلّ من هذا يجيء على مثال حسب يحسب، مثل: ولي الأمير يلي، وورم الجرح يرم، فهذا جميع ما في هذا الباب.
النص من طبعة دار الفكر العربي بالقاهرة (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع