من «الكامل في اللغة والأدب» للمبرد (ت ٢٨٥هـ)
سؤال عبد الملك لحسان: أي المناديل أفضل
?
قال عبد الملك بن مروان لجلسائه - وكان يجتنب غير الأدباء -: أي المناديل أفضل? فقال قائل منهم: مناديل مصر كأنها غرقىء البيض. وقال آخر: مناديل اليمن كأنها أنوار الربيع. فقال عبد الملك: ما صنعتما شيئاً، أفضل المناديل ما قال أخو تميم - يعني عبدة بن الطبيب.
لما نزلنا نصبنا ظل أخبيةوفار للقوم باللحم المراجيل
ورد وأشقر ما يؤنيه طابخهما غير الغلي منه فهو مأكول
ثمت قمنا إلى جرد مسومةأعرافهن لأيدينا مناديل
قوله: "غرقىء البيض" يعني القشرة الرقيقة التي تركب البيضة دون قشرها الأعلى، وقشرها الأعلى يقال له: القيض.
وقوله: "المراجيل" إنما حده "المراجل"؛ ولكن لما كانت الكسرة لازمة أشبعها للضرورة؛ كما قال:
نفي الدرام تنقاد الصياريف
وقد مر تفسير هذا.
وقوله:
ورد وأشقر ما يؤنيه طباخه
يقول: ما تغير من اللحم قبل نضجه.
وقوله: "ما يؤنيه طباخه" يقول: ما يؤخره، لأنه لو آناه لأنضجه، لأن معنى "آناه" بلغ به إناه، أي إدراكه، قال الله ﷿: ﴿إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾، وتقول: أنى يأني إنيّ، إذا أدرك، وآن يئين مثله. وقوله ﷿: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ أي قد بلغ إناه.
وقوله:
ما غير الغلي منه فهو مأكول
يقول: نحن أصحاب صيد، وهذا من فعلهم.
وقوله: "مسومة" تكون على ضربين: أحدهما أن تكون معلمة، والثني أن تكون قد أسميت في المرعى، وهي ههنا معلمة، وقد مضى هذا التفسير.
وإنما أخذ ما في هذه الأبيات من بيت أمرىء القيس، فإنه جمع ما في هذه الأبيات في بيت واحدٍ، مع فضل التقدم.
نمش بأعراف الجياد أكفناإذا نحن قمنا عن شواء مضهب
وهو الذي لم يدرك، ونمش: نمسح، ويقال للمنديل المشوش.
وكانت العرب تألف الطيب، وتطرح ذلك في حالتين: في الحرب والصيد.
قال النابغة:
سهكين من صدإ الحديد كأنهمتحت السنور جنة البقار
وقال آخر:
وأسيافكم مسك محل أكفكمعلى أنها ريح الدماء تضوع
معنى "تضوع" تفوح.
النص من طبعة دار الفكر العربي بالقاهرة (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع