من «الكامل في اللغة والأدب» للمبرد (ت ٢٨٥هـ)
لجرير يمدح هشام بن عبد الملك
وأما قول جريرٍ لهشام بن عبد الملك فهو المدح الصحيح على خلاف هذا المعنى، قال:
وأنت إذا نظرت إلى هشامعرفت نجار منتخب كريم
وليّ الحقّ حين يؤم حجّاصفوفاً بين زمزم والحطيم
يرى للمسلمين عليه حقاًكفعل الوالد الرّؤف الرّحيم
إذا بعض السّنين تعرّقتناكفى الأيتام فقد أبي اليتيم
وفي هذا الشعر:
أمير المؤمنين على صراطٍإذا أعوجّ الموارد مستقيم
أمير المؤمنين جمعت ديناًوحلماً فاضلا لذوي الحلوم
لك المتخيّران أبا وخالاًفأكرم بالخؤولة والعموم
فيا ابن المطعمين إذا شتوناويا ابن الذّائدين عن الحريم
سما بك خالدٌ وبنو هشامٍإلى العلياء في الحسب الجسيم
وتنزل من أمية حيث تلقىشؤون الرأس مجتمع الصميم
تواصلت من تكرّمها قريشٌبرد الخيل دامية الكلوم
فما الأم التي ولدت قريشاًبمقرفة النّجار ولا عقيم
وما فحلٌ بأنجب من أبيكمولا خالٌ بأكرم من تميم
سما أولاد برّة بنت مرّإلى العلياء في الحسب العظيم
لك الغرّ السّوابق من قريشفقد عرف الأغرّ من البهيم
قوله: "حين يؤم حجّاً" فيكون الحجّ جمع حاجّ، كما يقال: تاجرٌ وتجرٌ، وراكبٌ وركبٌ، قال العجّاج:
بواسطٍ أكرم دارٍ داراوالله سمّى نصرك الأنصارا
فأخرجه على "ناصر ونصر"، قال: ويجوز أن يكون حجّ أصحاب حجّ، كما قال الله ﷿: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾، يريد أهلها.
وقوله:
كفعل الوالد الرّوف الرّحيم
يقال: "رؤف" على "فعلٍ" مثل يقظ وحذر، رؤوف على وزن "ضروب". وقال الأنصاري:
نطيع نبيّنا ونطيع رباًهو الرّحمن كان بنا رؤوفا
وقد قرىء: ﴿واللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾، و ﴿رَؤُوفٌ﴾ أكثر، وإنما هو من الرّأفة، وهي أشدّ الرّحمة، ويقال: "رآفةٌ" وقرىء: ﴿وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾، على وزن الصّرامة والسّفاهة.
وقوله:
إذا بعض السّنين تعرّ قتنا
يفسر على وجهين: أحداهما: ان يكون ذهب إلى بعض السنين سنون، كما قال الأعشى:
وتشرق بالقول الذي قد أذعتهكما شرقت صدر القناة من الدّم
لأن صدر القناة قناةٌ، ومن كلام العرب: ذهبت بعض أصابعه، لأن بعض الأصابع إصبع، فهذا قول.
والأجود أن يكون الخبر في المعنى عن المضاف إليه، فأقتحم المضاف إليه توكيداً، لأنه غير خارج من المعنى، وفي كتاب الله ﷿: ﴿فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ إنما المعنى: فظلّوا لها خاضعين، والخضوع بيّن في الأعناق، فأخبر عنهم، فأقحم العناق توكيداٌ. وكان أبو زيد الأنصاريّ يقول: أعناقهم جماعاتهم، تقول: أتاني عنقٌ من النّاس، والأول قول عامّة النحويين. وقال جرير:
لما أتَى خبرُ الزبيرِ تواضعتْسورُ المدينةِ والجبالُ الخشعُ
وقال أيضاَ:
رأت مرَّ السنينَ أخذن مِنِّيكما أخذ السرارُ من الهلالِ
وقال ذو الرمة:
مشينَ كما اهتزت رِماح تسفهتأعاليها مرُّ الرياح النواسم
ومثل هذا كثير، وعلى مثل هذا القول الثاني تقول: "يا تيم تيم عدي" لأنك أردت: "يا تيم عدي"، وأقحمت الأول توكيدً، وكذلك: لا أبا لك، لأن الألف لا تثبت في الأب في النصب إلا في الإضافة، أولا بدلاً من التنوين، فإنما أراد لا أباك ثم اقحم اللام توكيداً للإضافة، وأنشد المازني:
وقد مات شماخ ومات مزردوأي كريم لا أباك يخلدُ!
وقال آخر:
أبا لموت الذي لا بد أنيملاقٍ لا أباك تخوفيني!
وقوله: "على صراط" فالصراط: المنهاج الواضح، وكذلك قالت العلماء في قول الله ﷿: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾.
وقوله: "سما بكَ خالدٌ" يريد خالد بن الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن مُرة بن كعب، لأن أم هشام بنتُ هشام بن إسماعيل ابن هشام بن المغيرة، بن عبد الله بن عمر بن مخزوم. وكان هشام بن المغيرة أجل قرشي حالماً وجوداً، وكانت قريش تؤرخ بموته، كما كانت تؤرخ بعام الفيل، وبملكِ فلانٍ، قال الشاعر:
زمان تناعى الناس موت هشام
ومن أجل يقول القائل:
فأصبح بطن مكة مقشعراًكأنَّ الأرض ليس بها هشامُ
يقول: هو وإن كان مات فهو مدفون في الأرض، فقد كان يحب من أجله ألا ينالها جدب، وقال الآخر:
ذريني أصطبح يا سلم إنيرأيت الموت نقب عن هشام
وقوله: "نقب" أي طوف حتى أصاب هشاماً، قال الله ﷿: ﴿فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ﴾ أي طوفوا، ومثله قول امرئ القيس"
وقد نقبت في الآفاق حتىرضيت من الغنيمة بالإياب
النص من طبعة دار الفكر العربي بالقاهرة (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع