تجاوز إلى المحتوى

من «الكامل في اللغة والأدب» للمبرد (ت ٢٨٥هـ)

لعمر بن أبي ربيعة في أم عمر بنت مروان

وقال عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة: ونظر إلى أم عمر بنت مروان بن الحكم، وكانت صارت إليه متنكرة، فرته وقضت من محادثته وطراً، ثم انصرفت، فلما رجعت من منى عرفها، فعلمت ذلك، فبعثت إليه: لا ترفع بي صوتاً، وأهدت له ألف دينار، فاشترى بها عطراً وبزاً وأهداه لها، فأبتْ أن تقبله، فقال: إذاً والله أنهبه فيكون أذيعَ له فقبلته، وفي ذلك يقول:

وكم من قتيلٍ لايباءُ به دمٌومن غلقٍ رهناً إذا ضمه منى
وكم مالىءٍ عينيه من شيء غيرهِإذا راح نحو الجمرة البيضُ كالدمى
يجررن أذيال المروط بأسؤقٍخدالٍ إذا ولين أعجازها روى
أوانس يسلبن الحليم فؤادهفيا طولَ ما حزنٍ ويا حسنَ مجتلى!
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «وكم من قتيل لا يباء به دم»
فلم أر كالتجمير منظرَ ناطرٍولا كليالي الحج أفتن ذا هوى

وفيها أيضاً يقول:

أيها الرائج المجد ابتكارقد قضى من تهمة الأوطارا
ليت ذا الحج كان حتماً عليناكل شهرين حجةً واعتمارا
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «أيها الرائح المجد ابتكارا»

قوله:

وكم من قتيل لا يباء به دمٌ

يقول: لا يقاد به قاتله، وأصل هذا أنه يقال: أبأت فلاناً بفلانٍ، فباء به، إذا قتلته به، ولا يكاد يتسعمل هذا إلا والثاني كفءٌ للأول، فمن ذلك قولُ مهلهلِ بن ربيعة، حيث قتل بجير بن الحارث بن عبادٍ، فقيل للحارث - ولم يكن دخل في حربم: إن ابنك قتلَ، فقال: إن ابني لأعظم قتيلٍ بركةً، إذ أصلح الله به بين ابني وائلٍ، فقيل له: إنه لما قتلَ قال مهلهلٌ: بؤ بشسعِ نعلِ كليبٍ؛ فعند ذلك أدخل الحارث يه في الحرب، وقال:

قربا مربط النعامةِ منيلقحت حرب وائل عن حيال
للشاعر ابن حجاج، من قصيدة «صاح أيري ورمحه فوق خصييه»
لا بجير أغنى قتيلاً ولا رهــط كليب تزاجروا عن ضلالِ
للشاعر الحارث بن عباد، من قصيدة «كل شئ مصيره للزوال»
لم أكن من جناتها علمَ اللهُوإني بحرها اليوم صالي
للشاعر ابن حجاج، من قصيدة «صاح أيري ورمحه فوق خصييه»

وقالت ليلى الأخيليةُ:

فإن تكنِ القتلى بواءً فإنكمفتى ما قتلتم آل عوف بن عامرِ
للشاعر ليلى الأخيلية، اقرأ القصيدة

وقال التغلبي:

ألا تنتهي عنا ملوكٌ وتتقيمحارمنا لا يبوء الدم بالدمِ

ويقال: باء فلانٌ بذنبهِ، أي. بخع به وأقر، قال الفرزدق لمعاوية:

فلو كان هذا الحكُ في غير ملككملبؤت به أو غص بالماء شاربهْ

ويقال: باء فلانٌ بالشيء، من قولٍ أو فعلٍ، أي احتمله فصارَ عليه.

وقال المفسرون في قول الله جل وعزَّ: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾، أي يجتمعا عليك فتحملهما.

وأما قوله: "ومن غلقٍ رهنٍ" فمن جر فهو من قولهم: رهن غلقٌ، فلما قدم النعت اضراراً أبدل منه المنعوتَ، ولو قال: "ومن غلقٍ رهناٌ" فنصب على الحال من المعرفة بقي الاسم المضمر فيغلق.

وقوله: إذا ضمهُ منى فإنما سميت منى لما يمنى فيها من الدم، يقالُ في المني - وهي النطفة - منى الرجلُ وأنى، والقراءةُ: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ﴾ ويقال: مذى الرجلُ وأمذى، وودى وأودى، فقولهم: وذى، يعني البلةَ التي تكونُ في عقبِ البولِ كالمذي، وأما المذي فيعتري من الشهوةِ والحركةِ.

وقال علي بن أبي طالب رحمة الله: كل فحلٍ مذاءٌ.

ومن كلام العرب: كل فحلٍ يمذي وكل أنثى تقذي؛ وهو أن يكون منها مثل المذي ولمَنَى موضعٌ آخر، يقال: منى الله لك خيراً، أي قدر لك خيراً، ويقال: منى اللهُ أن ألقى فلاناً، أي قدرَ، والمنيةٌ من ذا، يقال: لقيض فلانٌ منيته، أي ما قدرَ له من الموت، فأما المنيئة بالهمزة فهي المدبغةُ، وهي المكان الذي يدبغ فيه.

وقوله:

إذا راح نحو الجمرة البيضُ كالدمى

الجمرة إنما سميت لاجتماع الحصى فيها، ومن ثم قيل: لا تجمروا المسلمين فتفتنوهم وتفتنوا نساءهم، أي لا تجمعوهم في المغازي، والتجمير التجميع. وكذلك قيل في جمراتِ العرب، وهم: بنو نمير بن عامرِ بن صعصعةَ، وبنو الحارث بن كعب بن علةَ بن جلدٍ، وبنو ضبةَ بن أدِّ بن طابخةَ، وبنو عبس بن بغيض بن ريثٍ. لأنهم تجمعوا في أنفسهم ولم يدخلوا معهم غيرهم. وأبو عبيدةَ لميعدد فيهم عبساً في كتاب الديباج ولكنهقال: فطفئت جمرتانِ، وهما بنو ضبةَ - لأنها صارت إلى الرباِ فحالفت - وبنو الحارثِ، لأنها صارت إلىمذحجٍ؛ وبقيت بنو نميرٍ إلى الساعة، لأنهالم تحالف، وقال النميري يجيب جريراً:

نميرٌ جمرةُ العربِ التي لمتزل في الحرب تلتهب التهابا
للشاعر الراعي النميري، من قصيدة «رأيت الجحش جحش بني كليب»
وإني إذا أسبُ بها كليباًفتحت عليهم للخسف بابا

وقال في هذا الشعرِ:

ولولا أن يقال هجا نميراًولم تسمع لشاعرها جوابا
للشاعر الراعي النميري، من قصيدة «رأيت الجحش جحش بني كليب»
رغبنا عن هجاء بني كليبٍوكيف يشتام الناس الكلابا!
للشاعر الراعي النميري، من قصيدة «رأيت الجحش جحش بني كليب»

النص من طبعة دار الفكر العربي بالقاهرة (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الكامل في اللغة والأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.