تجاوز إلى المحتوى

من «الكامل في اللغة والأدب» للمبرد (ت ٢٨٥هـ)

نبذ من أقوال الحكمية

باب

قال أبو العباس: نذكر في هذا الباب من كل شيءٍ، ليكون فيه استراحةٌ للقارىء، وانتقالٌ ينفي الملل، لحسن موقع الاستطراف، ونخلط ما فيه من الجدّ بشيء يسيرٍ من الهزل، ليستريح إليه القلب، وتسكن إليه النفس.

نبذ من الأقوال الحكيمة

قال أبو الدّرداء ﵀: إني لأستجمُّ نفسي بشيء من الباطل ليكون أقوى لها على الحقِّ.

وقال عليُّ بن أبي طالب ﵀: القلب إذا أكره عمي.

وقال ابن مسعود ﵀: القلوب تملُّ كما تملُّ الأبدان فابتغوا لها ططرائف الحكمة.

وقال ابن عباس ﵁: العلم أكثر من أن يؤتى على آخره، فخذوا من كل شيءٍ أحسنه.

وليس هذا الحديث من الباب الذي ذكرنا، ولكن نذكر الشيء بالشيء، إمَّا لاجتماعهما في لفظٍ، وإمَّ لاشتراكهما في معنى.

وقال الحسن -وليس من هذا الباب-: حادثوا هذه القلوب، فإنها سريعة الدُّثور، واقدعوا هذه الأنفس، فإنها طلعةٌ، وإنكم إلاّ تنزعوها تنزع بكم إلى شرّ غاية. وقد مضى تفسير هذا الكلام.

وقال أردشير بن بابك: إن للآذان مجَّةً، وللقلوب مللاً، ففرّقوا بين الحكمتين يسكن ذلك استجماماً.

وكان أنوشروان يقول: القلوب تحتاج إلى أقواتها من الحكمة كاحتياج الأبدان إلى أقواتها من الغذاء.

ويروى أنه أصيب في حكمة آل داود: لا ينبغي للعاقل إن يخلي نفسه من واحدة من أربع: من عدّةٍ لمعادٍ، أو إصلاح لمعاش، أو فكرٍ يقف به على ما يصلحه مما يفسده، أو لذّةٍ في غير محرّمٍ يستعين بها على الحالات الثلاث.

وقال عبد الله بن عمر بن عبد العزيز لأبيه يوماً: يا أبة، إنك تنام نوم القائلة، وذو الحاجة على بابك غير نائمٍ? فقال له: يا بنيَّ، إنّ نفسي مطيّتي، فإن حملت عليها في التعب حسرتها.

تأويل قوله: "حسرتها": بلغت بها أقصى غاية الإعياء، قال الله جلَّ وعزَّ: ﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ﴾. وأنشد أبو عبيدة:

أنّ العسير بها داءٌ مخامرهافشطرها نظر العينين محسور

قوله: "فشطرها" يريد قصدها ونحوها، قال الله جلَّ وعزَّ: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [و] قال الشاعر:

لهنَّ الوجالم كنَّ عوناً على النَّوىولا زال منها ظالعٌ وحسير

يعني الإبل، يقول: هي المفرِّقة، كما قال الآخر:

ما فرَّق الألاّف بعــد الله إلاّ الإبل
ولا صاح غرابٌ في الديار احتملوا
وما غراب البينإلاّ ناقة أو جمل
للشاعر أبو الشيص الخزاعي، اقرأ القصيدة

قال أبو الحسن: وزادني فيه غير أبي العباس:

والناس يلحون غراب البين لمَّا جهلوا
للشاعر أبو الشيص محمد، من قصيدة «ما فرَّق الأَحبابَ بع»
والبائس المسكين مايطوى عليه الرِّحل

ويقال: إنه لأبي الشّيص.

فمن قال: "آلفٌ" للواحد قال للجميع "ألاّفٌ" كعمل وعمّالٍ، وشاربٍ وشرَّابٍ، وجاهلٍ وجهَّالٍ. ومن قال للواحد: إلفٌ، قال للجميع: آلافٌ، وتقديره: عدلٌ وأعدالٌ، وحملٌ وأحمالٌ. وثقلٌ وأثقالٌ.

النص من طبعة دار الفكر العربي بالقاهرة (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الكامل في اللغة والأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.