من «الكامل في اللغة والأدب» للمبرد (ت ٢٨٥هـ)
مرثية ابن مناذر لعبد المجيد بن عبد الوهاب الثقفي
قال أبو العباس: ومن حلو المراثي وحسن التأبين شعر ابن مناذر، فإنه كان رجلاً عالماً مقدماً وشاعراً مفلقاً، وخطيباً مصقعاً، وفي دهر قريب، فله في شعره شدة كلام العرب بروايته وأدبه، وحلاوة كلام المحدثين بعصره ومشاهدته ولا يزال، وقد رمى في شعره بالمثل السائر، والمعنى اللطيف، واللفظ الفخم الجليل، والقول المتسق النبيل، وقصيدته لها امتداد وطول، وإنما نملي ما اخترنا من نحو ما وصفنا.
قال يرثي عبد المجيد بن عبد الوهاب الثقفي - وكان به صباً، واعتبط عبد المجيد لعشرين سنة من غير ما علة، وكان من أجمل الفتيان وآدبهم وأظرفهم، فذلك حيث يقول ابن مُناذر:
حين تمت آدابه وتردىبرداء من الشباب جديد
وسقاه ماء الشبيبة فاهتزاهتزاز الغصن الندي الأملود
وسمت نحوه العيون وما كان عليه لزائد من مزيد
وكأني أدعوه وهو قريبحين أدعوه من مكان بعيد
فلئن صار لا يجيب لقد كانسميعاً هشا إذا هو نودي
يا فتى كان للمقامات زيناًلا أراه في المحفل المشهود
لهف نفسي أما أراك، وما عندك لي إن دعوت من مردود!
كان عبد المجيد سم الأعاديملء عين الصديق رغم الحسود
عاد عبد المجيد رزءاً وقد كانرجاء لريب دهر كنود
خنتك الود لم أمت كمداً بعدكإتي عليك حق جليد
لو فدى الحي ميتاً لفدت نفسكنفسي بطارفي وتليدي
ولئن كنت لم أمت من جوى الحزن عليه لأبلغن مجهودي
لأقيمن مأتماً كنجوم الليل زهراً يلطمن حر الخدود
موجعات يبكين للكبد الحرىعليه وللفؤاد السعيد
ولعين مطروفة أبداً قال لها الدهر: لا تقري وجودي
كلما عزك البكاء فأنفذت لعبد المجيد سجلا فعودي
لفتى يحسن البكاء عليهوفتى كان لامتداح القصيد
وأول هذا الشعر:
كل حي لاقي الحمام فموديما لحي مؤمل من خلود
لا تهاب المنون شيئاً ولا ترعيعلى والد ولا مولود
يقدح الدهر في شماريخ رضوىويحط الصخور من هبود
ولقد تترك الحوادث والأياموهياً في الصخرة الصيخود
وفي هذا الشعر مما استحسنته:
أين رب الحصن الحصين بسوراءورب القصر المنيف المشيد
شاد أركانه وبوبه بابيحديد وحفه بجنود
كان يجبى إليه ما بين صنعاء فمصر إلى قرى بيرود
وترى خلفه زرافات خيلجافلات تعدو بمثل الأسود
فرمى شخصه فأقصده الدهرر بسهم من المنايا سديد
ثم لم ينجه من الموت حصندونه خندق وبابا حديد
وملوك من قبله عمروا الأرض أعينوا بالنصر والتأييد
فلو أن الأيام أخلدن حياًلعلاء أخلدن عبد المجيد
ما درى نعشه ولا حاملوهما على النعش من عفاف وجود!
ويح أيد حثت عليه وأيددفنته، ما غيبت في الصعيد!
إن عبد المجيد يوم تولىهد ركناً ما كان بالمهدود
[وأرانا كالزرع يحصده الدهر فمن بين قائم وحصيد
وكأنا للموت ركب مخبون سراعاً لمنهل مورود]
هد ركني عبد المجيد وقد كنت بركن أنوء منه شديد
فبعبد المجيد تأمور نفسيعثرت بي بعد انتعاش جدودي
وبعبد المجيد شلت يدي اليمنى وشلت به يمين الجود
وفي هذا الشعر:
فبرغمي كنت المقدم قبليوبكرهي دليت في الملحود
كنت لي عصمة وكنت سماءبك تحيا أرضي ويخضر عودي
النص من طبعة دار الفكر العربي بالقاهرة (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع