من «الكامل في اللغة والأدب» للمبرد (ت ٢٨٥هـ)
لليلى الأخيلية في رثاء توبة
وقالت ليلى الأخيلية:
دعا قابضاً والمرهفات ينشنهفقبحت مدعواً ولبيك داعيا!
فليت عبيد الله كان مكانهصريعأً ولم أسمع لتوبة ناعيا
وكان سبب هذا الشعر أن توبة بن حمير العقيلي ثم الخفاجي، غزا فغنم، ثم انصترف فعرس في طريقه فأمن فقال، فندت فرسه، فأحاط به عدوه، ومعه عبيد الله أخوه وقابض مولاه، فدعاهما، فذبب عبيد الله شئياً وانهزما وقتل توبة، ففي ذلك تقول ليلى الأخيلية:
أعيني ألا فابكي على ابن حميربدمع كفيض الجدول المتفجر
لتبك عليه من خفاجة نسوةبماء شؤون العبرة المتحدر
سمعن بهيجا أزحفت فذكرنهوقد يبعث الأحزان طول التذكر
كأن فتى الفتيان توبة لم ينخبنجد ولم يطلع مع المتغور
ولم يرد الماء السادام إذا بداسنا الصبح في أعقاب أخضر مدبر
ولم يقدع الخصم الألد ويملإالجفان سديفاً يوم نكباء صرصر
ألا رب مكروب أجبت وخائفأجرت ومعروف لديك ومنكر
فيا توب للمولى ويا توب للندىويا توب للمستنبح المتنور
قولها:
لتبك عليه من خفاجة نسوة
تعني، خفاجة بن عقيل بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة. والهيجاء تمد وتقصر، وقد مر هذا. وقولها:
بنجد ولم يطلع مع المتغور
فالنجد كل ما أشرف من الأرض، والغور كل ما انخفض، ويقال: ماء سدام ومياه سدم، وهي القديمة المندفقة، قال الشاعر:
وعلمي بأسدام المياه فلم تزلقلائص تحدى في طريق طلائح
وسنا الصبح: ضوؤه، وهو مقصور، فإذا أردت الحسب مددت. والأخضر: الذي ذكرت: الليل، والعرب تسمي الأسود أخضر، وقولها: ولم يقدع الخصم الألد، فالألد الشديد الخصام. والسديف: شقق السنام.
والنكباء: الريح بين الريحين الشديدة الهبوب.
والصرصر: الشديدة الصوت. والمستنبح: الذي يسري فلا يعرف مقصداً فينبح لتجيبه الكلاب فيقصدها.
والمتنور: الذي يلتمس ما يلوح له من النار فيقصده. قال الأخطل يعير جريراً.
قوم إذا استنبح الأضياف كلبهمقالوا لأمهم بولي على النار
فيقال إن جريراً توجع من هذا البيت، وقال: جمع بهذه الكلمة ضروباً من الهجاء والشتم؛ منها البخل الفاحش، ومنها عقوق الأم في ابتذالها دون غيرها، ومنها تقذير الفناء، ومنها السوءة التي ذكرها من الوالدة.
وقال آخر:
وإني لأطوي البطن من دون ملئهلمختبط في آخر الليل نابح
وإن امتلاء البطن في حسب الفتىقليل الغناء وهو الجسم صالح
وقالت ليلى الأخيلية:
نظرت وركن من بوانة دونناوأركان حسمى أي نظرة ناظر!
إلى الخيل أجلى شأوها عن عقيرةلعاقرها فيها عقيرة عاقر
كأن فتى الفتيان توبة لم ينخقلائص يفحصن الحصى بالكراكر
ولم يبن أبراداً رقاقاً لفتيةكرام ويرحل قبل فيء الهواجر
فتى لا تخطاه الرفاق ولا يرىلقدر عيالاً دون جار مجاور
وكنت إذا مولاك خاف ظلامةدعاك ولم يقنع سواك بناصر
قولها: أي نظرة ناظر؛ يصلح فيه الرفع، والنصب على قوله: نظرت أي وتأويله مررت برجل كامل، فأيما في موضع كامل، وتقول: مررت بزيد أيما مخرج استفهام، وتقديره: أي نظرة ناظر فعلى القطع والابتداء، والمخرج مخرج استفهام، وتقديره: أي نظرة هي! كما تقول: سبحان الله، أي رجل زيد! وهذا البيت ينشد على وجهين:
فأومأت إيماء خفيا لحبتروللله عينا حبتر أيما فتى
وأيما إن شئت على ما فسرنا.
وقولها:
إلى الخيل أجلى شأوها عن عقيره
شأوها: طلقها
وقولها:
لعاقرها فيها عقيرة عاقر
أي قد أصابوا عقيرة نفيسة؛ كقول القائل: نعم غنيمة المغتنم، وكقولهم: عقيرة وكما تكون. وهذا نظير قوله:
ولما أصابوا نفس عمرو بن عامرأصابوا به وتراً ينيم ذوي الوتر
يقال: ثأر منيم، إذا أصابه المثئر هدأ واستقر، لأنه أصاب كفؤاً، وهذا خلاف قول الآخر:
قوم إذا جر جاني قومهم أمنواللؤم أحسابهم أن يقتلوا قودا
وخلاف قول الحارث بن عباد:
لا بجير أغنى قتيلاً ولا رهــط كليب تزاجروا عن ضلال
ولكن كما قال دريد بن الصمة:
قتلت بعبد الله خير لداتهذؤاباً فلم أفخر بذاك وأجزعا
وكما قال عبيد الله بن زياد بن ظبيان التيمي، من بني تيم اللآت بن ثعلبة، حيث قتل مصعب بن الزبير بأخيه النابي بن زياد:
لسار على رغم العدو وغاديأن عبيد الله ما دام سالماً
ونحن قتلنا ابن الزبير ورأسهحززنا برأس النابي بن زياد
كسر الياء على الأصل، كما قال ابن قيس الرقيات:
لا بارك الله في الغواني هليصبحن إلا لهن مطلب
ومن أخذه من نبأت على القوم، أي طلعت عليهم، فلا علة فيه ولا ضرورة.
[قال الأخفش: المعروف فيه الهمز، والمبرد لم يهمزه، فإنما أخذه من نبا ينبو، فصار مثل رام وقاض وما أشبههما].
وقال أبو الأسد مولى خالد بن عبد الله القسري، لما قتلوا الوليد بن يزيد بن عبد الملك بخالد بن عبد الله:
فإن تقتلوا منا كريما فإنناقتلنا أمير المؤمنين بخالد
وإن تشغلونا عن ندانا فإنناشغلنا وليداً عن بناء الولائد
تركنا أمير المؤمنين بخالدمكباً على خيشومه غير ساجد
وقال الخزاعي بعد:
قتلنا بالفتى القسري منهموليدهم أمير المؤمنينا
ومرواناً قتلنا عن يزيدكذاك قضاؤنا في المعتدينا
وبابن السمط منا قد قتلنامحمداً بن هارون الأمينا
فمن يك قتله سوقاً فإناجعلنا مقتل الخلفاء دينا
وقولها: ويرحل قبل فيء الهواجر تريد أنه متيقظ ظعان والمولى في قولها: إذا مولاك خاف ظلامة يحتمل ضروباً، فالمولى ابن العم، وقوله ﷿: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائي﴾؛ يريد بني العم؛ قال الفضل بن العباس:
مهلاً بني عمنا مهلاً موالينالا تنبشوا بيننا ما كان مدفونا
ويكون المولى المعتق؛ ويكون المولى من قوله جل ثناؤه: ﴿وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ﴾ ويكون المولى الذي هو أحق وأولى منه قوله: ﴿مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ﴾، أي أولى بكم. والمولى: المالك. وقولها: ولم يبن أبراداً تريد الخيام.
قال أبو العباس: وكانت الخنساء وليلى بائنتين في أشعارهما، متقدمتين لأكثر الفحول، ورب امرأة تتقدم في صناعة، وقلما يكون ذلك، والجملة ما قال الله ﷿: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾.
وقال النبي ﷺ: "إن المرأة خلقت من ضلع عوجاء، وإنك إن ترد إقامتها، تكسرها، فدارها تعش بها".
فممن ندر من النساء في باب من الأبواب: أم أيوب الأنصارية، أم الدرداء، ورابعة القيسية ومعاذة العدوية، فإن هؤلاء النسوة تقدمن في الفضل والصلاح، على تقدم بعضهن بعضاً.
حدثني الجاحظ عن إبراهيم بن السندي، قال: وكانت تصير إلي هاشمية جارية حمدونة في حاجات صاحبتها، فأجمع نفسي لها، وأطرد الخواطر عن فكري، وأحضر ذهني جهدي، خوفاً من أن تورد علي ما لا أفهمه، لبعد غورها، واقتدارها على أن تجري على لسانها ما في قلبها.
وكذلك ما يؤثر عن خالصة وعتبة جاريتي ربطة بنت أبي العباس. فأما النساء الأشراف فإن القول فيهن كثير متسع.
النص من طبعة دار الفكر العربي بالقاهرة (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع