من «الكامل في اللغة والأدب» للمبرد (ت ٢٨٥هـ)
من مراثي الخنساء
فمما ندر من شعر الخنساء قولها ترثي صخراً:
يا صخر وراد ماء قد تناذرهأهل المياه وما في ورده عار
مشى السبنتى إلى هيجاء معضلةله سلاحان: أنياب وأظفار
وما عجول على بو تحن لهلها حنينان: إغلان وإسرار
ترتع ما غفلت حتى إذا ادكرتفإنما هي إقبال وإدبار
يوماً بأوجع مني يوم فارقنيصخر، وللعيش إخلاء وإمرار
وإن صخراً لوالينا وسيدناوإن صخراً إذا نشتو لنحار
وإن صخراً لتأتم الهداة بهكأنه علم في رأسه نار
لم تره جارة يمشي بساحتهالريبة حين يخلي بيته الجار
قولها:
يا صخر وراد ماء قد تناذرهأهل المياه وما في ورده عار
تعني الموت، أي لإقدامه على الحرب.
والسبنتي والسبندي واحد، وهو الجريء الصدر، وأصله في النمر.
والعجول: التي فارقها ولدها.
والبو، قد مضى تفسيره، وكذلك فإنما هي إقبال وإدبار، وقد شرحنا كيف مذهبه في النحو.
وقولها: إلى هيجاء معضلة تعني الحرب.
وقولها: بأنه علم في رأسه نار فالعلم الجبل، قال الله جل وعز: ﴿وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ﴾ ﴾، وقال جرير:
إذا قطعن علماً بدا علم
ومن حسن شعرها قولها:
أعيني جوداً ولا تجمداألا تبكيان لصخر الندى
ألا تبكيان الجريء الجميلألا تبكيان الفتى السيدا
طويل النجاد رفيع العماد ساد عشيرته أمردا
إذا القوم مدوا بأيديهمإلى المجد مد إليه يدا
فنال الذي فوق أيديهممن المجد ثم مضى مصعدا
يكلفه القوم ما عالهموإن كان أصغرهم مولدا
ترى الحمد يهوي إلى بيتهيرى أفضل الكسب أن يحمدا
قولها: طويل النجاد، النجاد: حمائل السيف، تريد بطول نجاده طول قامته، وهذا مما يمدح به الشريف، قال جرير:
فإني لأرضى عبد شمس وما قضتوأرضى الطوال البيض من آل هاشم
وقال مروان لأمير المؤمنين المهدي:
قصرت حمائله عليه فقلصتولقد تألق قينها فأطالها
وقال رجل من طيئ:
جدير أني يقل السيف حتىينوس إذا تمطى فقي النجاد
وقال الكمي [أبو نواس]:
سبط البنان إذا احتبى بنجادهغمر الجماجم والسماط قيام
وقال عنترة:
بطل كأن ثيابه في سرحةيحذى نعال السبت ليس بتوأم
وقولها: رفيع العماد إنما تريد ذاك، يقال: رجل معمد، أي طويل، ومنه قوله ﷿: ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾، أي الطوال.
وقولها: ما عالهم أي ما نابهم ونزل بهم، تقول العرب: ما عالك فهو عائلي، أي ما نابك فهو نائبي، ومن ذا قول كثير:
يا عين بكي للذي عالنيمنك بدمع مسبل هامل
ومن جيد قولها:
أبعد ابن عهمرو من آل الشريدحلت به الأرض أثقالها
لعمر أبيه لنعم الفتىإذا النفس أعجبها ما لها
فإن تك مرة أودت بهفقد كان يكثر تقتالها
فخر الشوامخ من فقدهوزلزلت الأرض زلزالها
هممت بنفسي كل الهمومفأولى لنفسي أولى لها!
لأحمل نفسي على آلةفإما عليها وإما لها
قولها: حلت به الأرض أثقالها حلت من الحلي، تقول: زينت به الأرض الموتى. وقال المفسرون في قول الله ﷿: ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾، قالوا الموتى.
وقولها: لنعم الفتى إذا النفس أعجبها ما لها؛ تقول: يجود بما هو له في الوقت الذي يؤثره أهله على الحمد.
والشوامخ: الجبال، والشامخ: العالي، ويقال للمتكبر: شمخ بأنفه.
وقولها: على آلة أي على حالة وعلى خطة، هي الفصيل، فإما ظفرت وإما هلكت.
وقولها: فأولى لنفسي أولى لها، يقول الرجل إذا حاول شيئاً فأفلته من بعد ما كاد يصيبه: أولى له! وإذا أفلت من عظيمة قال: أولى لي! ويروى عن ابن الحنفية أنه كان يقول إذا مات ميت في جواره أو في داره: أولى لي! كدت والله أكون السواد المخترم، وقد مضى هذا مفسراً.
وأنشد لرجل يقتنص، فإذا أفلته الصيد، قال: أولى لك! فكثر ذلك منه فقال:
فلو كان أولى يطعم القوم صدتهمولكن أولى يترك القوم جوعا
وقالت الخنساء ترثي أخاها معاوية بن عمرو - وكان معاوية أخاها لأبيها وأمها، وكان صخر أخاها لأبيها، وكان أحبهما إليها بعيداً، وكان صخر يستحق ذلك منها بأمور: منها أنه كان موصوفاً بالحلم، ومشهوراً بالجود، ومعروفاً بالتقدم في الشجاعة، ومحظوظاً في العشيرة -:
أريقي من دموعك واستفيقيوصبراً إن أطقت، ولن تطيقي
وقولي إن خير بني سليموفارسها بصحراء العقيق
ألا هل ترجعن لنا اللياليوأيام لنا بلوى الشقيق
وإذ نن الفوارس كل يومإذا حضروا وفتيان الحقوق
وإذ فينا معاوية بن عمروعلى أدماء كالجمل الفنيق
فبكيه فقد أودى حميداًأمين الرأي محمود الصديق
فلا واله لا تسلاك نفسيلفاحشة أتيت ولا عقوق
ولكني رأيت الصبر خيراًمن النعلين والرأس الحليق
قولها:
أريقي من دموعك واستفيقي
معناه أن الدمعة تذهب الوعة
ويروى عن سليمان بن عبد الملك أنه قال عند موت ابنه أيوب، لعمر بن
عبد العزيز ورجاء بن حيوة: إني لأجد في كبدي جمرة لا تطفئها إلا عبرة، فقال عمر: اذكر الله يا أمير المؤمنين وعليك الصبر. فنظر إلى رجاء بن حيوة كالمستريح إلى مشورته، فقال له رجاء: أفضها يا أمير المؤمنين، فما بذاك من بأس، فقد دمعت عينا رسول الله ﷺ على ابنه إبراهيم، وقال: "العين تدمع، والقلب يوجع، ولا نقول ما يسخط الرب، وإنا يا إبراهيم لمحزونون" فأرسل سليمان عينه فبكى حتى قضى أرباً، ثم أقبل عليهما فقال: لو لم أنزف هذه العبرة لانصدعت كبدي. ثم لم يبك بعدها، ولكنه تمثل عند قبره لما دفنه وحثا على قبره التراب، وقال: يا غلام، دابتي، ثم التفت إلى قبره، فقال:
وقفت على قبر مقيم بقفرةمتاع قليل من حبيب مفارق
رجعنا إلى تفسير قولها: وقولها:
وصبراً إن أطقت ولن تطيقي
كقول القائل: إن قدرت على هذا فافعل، ثم أبانت عن نفسها فقالت: ولن تطيقي.
وقولها:
فلا والله لا تسلاك نفسي
تريد: لا تسلو عنك, كقوله عزوجل: ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾, أي كالوا لهم أو وزنوا لهم.
وقولها:
لفاحشة أتيت ولا عقوق
معناه: لا أجد فيك ما تسلو نفسي عنك له، ثم اعتذرت من إقصارها بفضل الصبر، فقالت:
ولكني رأيت الصبر خيراًمن النعلين والرأس الحليق
تأويل النعلين أن المرأة كانت إذا أصيبت بحميم جعلت في يديها نعلين تصفق بهما وجهها وصدرها.
قال عبد مناف بن ربع الهذلي:
ماذا يغير ابنتي ربع عويلهمالا ترقدان ولا بؤسى لمن رقدا
كلتاهما أبطنت أحشاؤها قصباًمن بطن حلية لا رطبا ولا نقدا
إذا تأوب نوح قامتا معهضربا أليما بسبت يلعج الجلدا
قوله:
ماذا يغير ابنتي ربع عويلهما
يعني أختيه، يقول: ماذا يرد عليهما العويل والسهر!
وقوله:
كلتاهما أبطنت أحشاؤها قصباً
أراد لترديد النائحة صوتاً كأنه زمير، وإنما يعني بالقصب المزامير، كما قال الراعي:
زجل الحداء كأن في حيزومهقصبا ومقنعة الحنين عجولا
[قال الأخفش: الزجل: اختلاط الصوت الذي لصوته تطريب. والحيزوم: الصدر, وقصبا يعني زمارا, شبه صوت الحادي بالمزمار, ومقنعة، أراد: وصوت مقنعة، يعني ناقة، ثم حذف الصوت وأقام مقنعة مقامه.
وقال عنترة:
بركت على ماء الرداع كأنمابركت على قصب أجش مهضم
قال الأصمعي: نرمناي
وقوله: لا رطبا ولا نقدا يقول: ليس برطب لا يبين فيه الصوت ولا بمؤتكل، يقال: نقدت السن، إذا مسها ائتكال، وكذلك القرن، قال الشاعر:
يألم قرناً أرومه نقد
وقوله: بسبت يعني النعل المنجردة.
ويلعج: يؤثر، واحتاج إلى تحريك الجلد فأتبع آخره أوله، وكذلك يجوز في الضرورة في كل [شيء] ساكن. وأما قول الفرزدق:
خلعن حليهن فهن عطلوبعن به المقابلة التؤاما
يعني اشترين النعال، فليس [هذا] من هذا الباب، وإنما سبين فاشترين نعالاً للخدمة.
وكذلك قوله:
أجذن حريرات وأبدين مجلداًودارت عليهن المنقشة الصفر
يعني القداح، يقول: سبين فاقتسمن بالقداح.
وإنما قالت الخنساء هذا الشعر في معاوية أخيها قبل أن يصاب صخر أخوها، فلما أصيب صخر نسيت به من كان قبله.
وكان معاوية فارساً شجاعاً، فأغار في جمع من بني سليم على غطفان، وكان صميم خليهم فنذر به القوم فاحتربوا، فلم يزل يطعن فيهم ويضرب، فلما رأوا ذلك تهيأ له ابنا حرملة: دريد، وهاشم، فاستطرد له أحدهما، فحمل عليه معاوية فطعنه، وخرج عليه الآخر وهو لا يشعر فقتله، فتنادى القوم: قتل معاوية! فقال خفاف بن ندبة: قتلني الله إن رمت حتى أثأر به! فحمل على مالك بن حمار، وهو سيد بني شمخ بن فزارة، فطعنه فقتله، وقال:
فإن تك خليلي قد أصيب صميمهافعمداً على عيني تيممت مالكا
وقفت له علوى وقد خام صحبتيلأبني مجداً أو لأثأر هالكا
أقول له والرمح يأطر متنهتأمل خفافاً إنني أنا ذلكا
فلما دخلت الأشهر الحرم ورد عليهم صخر، فقال: أيكم قاتل أخي? فقال أحد ابني حرملة للآخر: خبره. فقال: استطردت له فطعنني هذه الطعنة، وحمل عليه أخي فقتله، فأينا قتلت فهو ثأرك، أما إنا لم نسلب أخاك. قال: فما فعلت فرسه السمى? قالوا: ها هي تلك فخذها، فانصرف بها، فقيل لصخر: ألا تهجوهم? قال: ما بيني وبينهم أقذع من الهجاء، ولو لم أمسك عن سبهم إلا صيانة للساني عن الخنا لفعلت، ثم خاف أن يظن به عي فقال:
وعاذلة هبت بليل تلومنيألا لا تلوميني كفى اللوم ما بيا
تقول ألا تهجو فوارس هاشمومالي إذ أهجوهم ثم ماليا!
أبى الشتم أني قد أصابوا كريمتيوأن ليس إهداء الخنا من شماليا
إذا ما امرؤ أهدى لميت تحيةفحياك رب الناس عني معاويا
وهون وجدي أنني لم أقل لهكذبت، ولم أبخل عليه بماليا
قال أبو عبيدة: فلما أصاب دريداً زاد فيها:
وذي رحم قطعت أرحام بينهمكما تركوني واحداً لا أخا ليا
[قال أبو الحسن الأخفش: وزادني الأحول بعد قوله: معاويا:
لنعم الفتى أدنى ابن صرمة بزهإذا راح فحل الشول أجدب عاريا]
قال أبو العباس: فلما انقضت الأشهر الحرم جمع لهم ليغير عليهم، فنظرت غطفان إلى خليه بموضعها، فقال بعضهم لبعض: هذا صخر بن الشريد على فرسه السمى، فقيل: كلا! السمى غراء، وهذه بهيمة، وكان قد حمم غرتهم، فأصاب فيهم، وقتل دريد بن حرملة. وأما هاشم، فإن قيس بن الأسوار الجشمي - من بني جشم بن بكر بن هوازن بن خصفة بن منصور، والخنساء من بني سليم بن منصور - لقيهم منصرفين؛ كل واحد منهم من وجهه، فرآه، وقد انفرد لحاجته، فقال: لا أطلب بمعاوية بعد اليوم، فأرسل عليه سهماً ففلق قحقحه فقتله، فقالت الخنساء:
فدى للفارس الجشمي نفسيوأفديه بمن لي من حميم
فداك الحي حي بني سليمبظاعنهم وبالأنس المقيم
كما من هاشم أقررت عينيوكانت لا تنام ولا تنيم
فأما صخر فسندرك مقتله مع انقضاء ما نذكر من مراثي الخنساء إياه، قالت الخنساء:
ألا يا صخر إن أبكيت عينيلقد أضحكتني دهراً طويلا
بكيتك في نساء معولاتوكنت أق من أبدى العويلا
دفعت بك الجليل وأنت حيفمن ذا يدفع الخطب الجليلا!
إذا قبح البكاء على قتيلرأيت بكاءك الحسن الجميلا
وقالت أيضاً:
تعرفني الدهر نهساً وحزاوأوجعني الدهر قرعاً وغمزا
وأفنى رجالي فبادوا معاًفأصبح قلبي بهم مستفزا
كأن لم يكونوا حمى يتقىإذ الناس إذ ذاك من عز بزا
وكانوا سراة بني مالكفخر العشيرة مجداً وعزا
وهم في القديم سراة الأديموالكائنون من الخوف حرزا
وهم منعوا جارهم والنســاء يحفز أحشاءها الخوف حفزا
عداة لقوهم بملومةرداح تغادر للأرض ركزا
وخيل تكدس بالدارعينتحت العجاجة يجمزن جمزا
ببيض الصفاح وسمر الرماحفبالبيض ضرباً وبالسمر وخزا
جزرنا نواصي فرسانهموكانوا يظنون ألا تجزا
ومن ظن ممن يلاقي الحروببألا يصاب فقد ظن عجزا
نعف ونعرف حق القرىونتخذ الحمد ذخراً وكنزا
ونلبس طوراً ثياب الوغىوطوراً بياضاً وعصباً وخزا
وكان سبب قتل صخر بن عمرو بن الشريد، أنه جمع جمعاً وأغار على بني أسد بن خزيمة، فنذروا به فالتقوا، فاقتتلوا قتالاً شديداً، فارفض أصحاب صخر عنه. وطعن طعنة في جنبه استقل بها، فلما صار إلى أهله تعالج منها، فنتأ من الجرح كمثل اليد فأضناه ذلك حولا، فسمع سائلاً يسأل امرأته وهو يقول: كيف صخر اليوم? فقالت: لا ميت فينعى، ولا صحيح فيرجى! فعلم أنها قد برمت به، ورأى تحرق أمه عليه، فقال:
أرى أم صخر ما تجف دموعهاوملت سليمى مضجعي ومكاني
وما كنت أخشى أن أكون جنارةعليك، ومن يغتر بالحدثان!
أهم بأمر الحزم لو أستطيعهوقد حيل بين العير والنزوان
لعمري لقد أنبهت من كان نائماًوأسمعت من كانت له أذنان
فأي امرئ ساوى بأم حليلةفلا عاش إلا في شقي وهوان
ثم عزم على قطع ذلك الموضع، فلما قطعه يئس من نفسه، فبكاها فقال:
أيا جارتا إن الخطوب قريبمن الناس، كل المخطئين تصيب
أيا جارتا إنا غريبان ها هناوكل غريب للغريب نسيب
كأني وقد أدنوا إلي شفارهممن الأدم مصقول السراة نكيب
النص من طبعة دار الفكر العربي بالقاهرة (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع