تجاوز إلى المحتوى

من «الضوء اللامع لأهل القرن التاسع» لشمس الدين السخاوي (ت ٩٠٢هـ)

حرف الْألف

الصفحة ٢ من ٢

يسْأَل عَن أَشْيَاء خطه عِنْدِي بِبَعْضِهَا واستجيز فِي بعض الاستدعاءات وَكَانَ تَامّ الْعقل حسن الْعشْرَة كثير السّكُون سِيمَا بعد ثقل سَمعه ماهرا بالشطرنج فِيهِ رياسة وحشمة مَعَ وضاءة وتواضع ولأوصافه الَّتِي

انْفَرد بهَا عَن رفقته صَار أوحد أهل الدِّيوَان وَقد أثكل عدَّة أَوْلَاد آخرهَا فِي سنة ثَلَاث وَسبعين وحزن عَلَيْهِ كثيرا وسافر لذَلِك إِلَى مَكَّة فِي الْبَحْر فَأَقَامَ على طَريقَة حميدة من الطّواف وَالصَّلَاة وَكَثْرَة التِّلَاوَة إِلَيّ أَن أدْركهُ أَجله وَهُوَ محرم عَشِيَّة عَرَفَة سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَنقل إِلَى المعلاة فَدفن بهَا يَوْم الْعِيد وَذَلِكَ يَوْم الْأَحَد وغبطه الْعُقَلَاء على هَذَا وَنعم الرجل كَانَ ﵀ وإيانا.

إِبْرَاهِيم بن أَحْمد بن عَليّ بن خلف بن عبد الْعَزِيز بن بدران برهَان الدّين ابْن إِسْحَق بن مُحَمَّد الْبُرْهَان الخليلي الدَّارمِيّ عرف بِابْن الْمُحْتَسب ولى بعد أَخِيه الشَّمْس مُحَمَّد قَضَاء بَلَده وقدما الْقَاهِرَة بِسَبَب صهره أبي بكر أَمِين حرم وَكَانَ حَيا بعد ثَلَاث وَتِسْعين.

إِبْرَاهِيم بن أَحْمد بن عَليّ بن خلف بن عبد الْعَزِيز بن بدران برهَان الدّين أَبُو السُّعُود بن الشهَاب الطنتدائي الْحُسَيْنِي نِسْبَة لسكنى الحسينية القاهري نزيل الشرابشية بِالْقربِ من جَامع الْأَقْمَر الشَّافِعِي سبط الشَّمْس البوصيري الْآتِي فِي المحمدين وَأَبوهُ فِي الأحمدين وَهُوَ بكنيته أشهر. ولد فِي سادس عشر جُمَادَى الأولى سنة ثَمَانمِائَة بِالْقَاهِرَةِ وأحضر وَهُوَ ابْن ثَلَاثَة أشهر على الشّرف أبي بكر بن جمَاعَة المسلسل ثمَّ سمع بعد أَن ترعرع على الشّرف بن الكويك وَالْجمال بن فضل الله والكمال بن خير والشموس ابْن الْجَزرِي وَابْن الْمصْرِيّ وَمُحَمّد بن حسن البيجوري والنور بن الفوي وسبط الزبير والشهب الكلوتاتي والواسطي وَشَيخنَا والزين القمني فِي آخَرين وَأَجَازَ لَهُ الحلاوي والشهاب الْجَوْهَرِي وَالشَّمْس المنصفي وَآخَرُونَ وَحفظ الْقُرْآن واشتغل قَلِيلا وتنزل بالمدارس وبالخانقاه الصلاحية وَولى إِعَادَة بالسابقية ولازم قِرَاءَة الصَّحِيح والشفا وَنَحْوهمَا فِي بعض الْجَوَامِع لبَعض من يثيبه عَلَيْهِ وَكَذَا تكسب بِالشَّهَادَةِ وقتا ثمَّ ترك وَكَانَ خيرا سَاكِنا متوددا متواضعا أجَاز لي. وَهُوَ فِي مُعْجم التقى بن فَهد وَولده بِاخْتِصَار. وَمَات فِي أَوَائِل ربيع الأول سنة سِتّ وَسِتِّينَ ﵀.

إِبْرَاهِيم بن أَحْمد بن عَليّ بن سُلَيْمَان بن سليم بن فريح بن أَحْمد الإِمَام الْفَقِيه برهَان الدّين أَبُو إِسْحَق البيجوري نِسْبَة لقرية بالمنوفية القاهري الشَّافِعِي ولد

فِي حُدُود الْخمسين أَو قبلهَا وَقدم الْقَاهِرَة وَحفظ الْقُرْآن وكتبا وتفقه بالجمال الأسنوي ولازم البُلْقِينِيّ ورحل بعد الأسنوي)

إِلَى الشهَاب الْأَذْرَعِيّ بحلب فِي سنة سبع وَسبعين وبرع فِي الْفِقْه جدا بِحَيْثُ كَانَ عجبا فِي استحضاره سِيمَا كَلَام الْمُتَأَخِّرين بل كَانَ أمة فِي ذَلِك مَعَ مُشَاركَة فِي النَّحْو وَالْأُصُول قَالَ الْعَلَاء ابْن خطيب الناصرية: حضرت عِنْده فِي الْقَاهِرَة بالناصرية والسابقية وقرأت عَلَيْهِ ورأيته أمة يستحضر كثيرا من الْفِقْه خُصُوصا كَلَام الْمُتَأَخِّرين وَلم أر بهَا فِي ذَلِك الْوَقْت وَهُوَ سنة ثَمَان أَو تسع وَثَمَانمِائَة من يستحضر كاستحضاره مَعَ شدَّة فقره وَقلة وظائفه بل أَخْبرنِي من أَثِق بِهِ أَن الْعِمَاد الحسباني عَالم دمشق شهد لَهُ لما اجْتمع بِهِ أَنه أعرف الشَّافِعِيَّة بالفقه فِي عصره وَقَالَ وَلَقَد شاهدته يجاري البُلْقِينِيّ حَتَّى يخرج ويلج هُوَ فَلَا يرجع وَلَا يزَال الصَّوَاب يظْهر مِنْهُ فِي النَّقْل وَقَالَ الْجمال عبد الله بن الشهَاب الْأَذْرَعِيّ إِنَّه لما قدم عَلَيْهِم حلب كَانَ يكْتب المجلد من الْقُوت يَعْنِي لِأَبِيهِ فِي شَهْرَيْن وَينظر فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة على مَوَاضِع وَيُرَاجع الشَّيْخ فيصلح بَعْضهَا وينازعه فِي بَعْضهَا زَاد غَيره فَكَانَ الْأَذْرَعِيّ يعْتَرف لَهُ بالاستحضار وَقَالَ التقى بن قَاضِي شُهْبَة حكى لي صاحبنا يَعْنِي الْجمال الْمَذْكُور قَالَ جَاءَ البيجوري إِلَى الْوَالِد بِكِتَاب الْعِمَاد الحسباني يوصيه بِهِ فَقَالَ لَهُ مَا تُرِيدُ قَالَ أكتب الْقُوت وأقرؤه فأخلى لَهُ بَيْتا وَقَالَ لَهُ هَات حوائجك فَقَالَ مَا معي شَيْء فَأرْسل إِلَيْهِ أثاثا وكتبا وَخمْس دسوت ورق قَالَ فَكَانَ يكْتب كل مُجَلد فِي شَهْرَيْن وَينظر فِي كل لَيْلَة على مَوَاضِع ويعرضها على الشَّيْخ فبعضها يصلحه وَبَعضهَا ينازعه فِيهِ والقوت فِي خطّ المُصَنّف فِي سِتَّة أَجزَاء والغنية فِي أَرْبَعَة وَلما فرغ جمع لَهُ من أهل حلب دَرَاهِم وَاشْترى لَهُ فرسا وَخرج هُوَ وأعيان الْبَلَد بأسره حَتَّى وَدعوهُ قَالَ التقي وَقد رَأَيْت نُسْخَة المُصَنّف بالقوت وَلَا بنظيرات كَثِيرَة وَالظَّاهِر أَنَّهَا بِخَط الْبُرْهَان وَكثير مِنْهَا لسُقُوط كلمة أَو حرف وَلما رَجَعَ من حلب وَوصل لدمشق كَانَ أول من وصل بالقوت إِلَيْهَا فأرغبه النَّجْم بن الجابي فِي الثّمن وَاشْتَرَاهُ مِنْهُ فَبلغ الْأَذْرَعِيّ فَأرْسل إِلَيْهِ يعتب عَلَيْهِ فِي تفريطه وَعدم استصحابه مَعَه إِلَى الْقَاهِرَة وَإنَّهُ كَانَ مُرَاده دُخُوله بِهِ ووقوف الاسنائي عَلَيْهِ انْتهى والاسنوي كَانَ قد مَاتَ قبل ارتحاله وَكَذَا قَالَ الْبُرْهَان سبط ابْن العجمي أَنه قدم عَلَيْهِم فِي سنة سبع وَسبعين وَنزل بالعصرونية وَكتب الْقُوت وَكَانَ يعقب على أَمَاكِن من دماغه حِين

الْكِتَابَة فَلَمَّا وصل إِلَى الطَّلَاق ترك حياءا من مُصَنفه لكَونه كَانَ نازلا عِنْده وَقَالَ محيي الدّين البصروي فارقته سنة خمس وَثَمَانِينَ وَهُوَ يسْرد الرَّوْضَة حفظا انْتهى وَبَقِيَّة كَلَامه كَانَ البيجوري شَيخا وَأَنا صبي قَالَ وَلما سَافَرت إِلَى مصر بعد الْفِتْنَة حَضَرنَا عِنْد)

الْجلَال البُلْقِينِيّ فَتكلم فغوش عَلَيْهِ وَقَالَ لَهُ اسْكُتْ يَا بيجوري أَنْت مَا تعرف أصولا وَلَا نَحوا أَنْت مَا تعرف إِلَّا الْفِقْه فَقَط وبكته زَاد بَعضهم أَنه حدر من دمعه فَتكلم فَرفع لَهُ الْجلَال يَدَيْهِ على رَأسه كالقرنين وَقَالَ لَهُ وَمَا عَليّ إِذا لم تفهم الْبَقر فَزَاد فِي الْكَلَام مَعَه شحطوه فشحطوه برجلة حَتَّى أَخْرجُوهُ من الْمجْلس هَذَا وَالْحق بِيَدِهِ فَلَمَّا انْفَصل الْمجْلس وَرجع الْجلَال لبيته أرسل لَهُ دَرَاهِم وقماشا وَصَالَحَهُ وَقَالَ لَهُ الْحق بِيَدِك وانكى مَا وَقع للجلال مِنْهُ لَا بِقصد الانكار من الشَّيْخ انه ابدى فَرحا وطنطن لَهُ واستغرب نَقله من عزاله فَقَالَ لَهُ إِنَّه فِي التَّنْبِيه.

وَقَالَ الْجمال الطيماني هُوَ احفظ النَّاس للنَّقْل للفقه واكثر من وَصفه بذلك وَهُوَ افضل البياجرة الثَّلَاثَة هُوَ وشمس الدّين وَنور الدّين. وَقَالَ المقريزي إِنَّه لم يخلف بعده احفظ لفروع الْفِقْه مِنْهُ وَقد تصدى لنشر الْفِقْه واخذ عَنهُ الْأَئِمَّة حَتَّى كَانَ مِمَّن أَخذ عَنهُ من شُيُوخنَا الْبُرْهَان بن خضر وأتقن مَعَه جَامع المختصرات والزين السندبيسي والجلال الْمحلي والشريف النسابة والعبادي وَفِي اصحابه كَثْرَة بالديار المصرية الْآن بقايا من أَصْحَابه حَتَّى كَانَ الطّلبَة يصححون عَلَيْهِ تصانيف الْوَلِيّ الْعِرَاقِيّ فيتحرك لما فِيهَا من التَّحْقِيق والمتانة وَحسن الايضاح ويهديهم لما لَعَلَّه يكون فِيهَا على خلاف الصَّوَاب نقلا وفهما مِمَّا لَا يسلم مُصَنف مِنْهُ ويطالعون المُصَنّف بذلك فيسر بِهِ وَيصْلح نسخه ويحض على الْمَزِيد من ذَلِك وَهُوَ مِمَّن عرض عَلَيْهِ الْوَالِد وَالْعم محافيظهما لَا تقانة واستجازه شَيخنَا لأولاده واثنى عَلَيْهِ فِي تَارِيخه وَكَذَا اثنى عَلَيْهِ ابْن قَاضِي شُهْبَة فِي طَبَقَات الشَّافِعِيَّة لَهُ وَابْن خطيب الناصرية فِي ذيل تَارِيخ حلب كل هَذَا مَعَ كَثْرَة الْعِيَال ومزيد الْفَاقَة بِحَيْثُ جلس فِي دكان الطّلبَة رَفِيقًا للشلقاني وَغَيره للتكسب بِالشَّهَادَةِ وقتا ثمَّ اعْرِض عَنْهَا لِكَثْرَة جفَاء الثانى لَهُ مَعَ مَا بَينهمَا من

المرافقة فِي الأخذعن الأسنوي.

ودرس بالغرابية والخشقدمية وَكَذَا بالناصرية والسابقية احتسابا وَلما بني الْفَخر عبد الْغَنِيّ بن أبي الْفرج مدرسته الَّتِي بَين السورين من الْقَاهِرَة أعْطى مشيختها للشمس الْبرمَاوِيّ فباشرها مُدَّة ثمَّ تحول فِي سنة ثَلَاث وَعشْرين إِلَى دمشق صُحْبَة النَّجْم بن حجى فاستنزله عَنْهَا النَّجْم لصَاحب التَّرْجَمَة بِمَال تبرع عَنهُ سِيمَا وَكَانَت زَوْجَة الْبرمَاوِيّ ابْنَته وَأرْسل بالاشهاد اليه بعد أَن أَخذ لَهُ شَيخنَا خطّ النَّاصِر وَهُوَ عبد الْقَادِر ابْن الْوَاقِف بالامضاء فَامْتنعَ من قبُولهَا فَلم يزل بِهِ الطّلبَة حَتَّى قبل وباشرها تدريسا ومشيخة على الْعَادة وَلم يلبث أَن مَاتَ. وَكَانَ دينا خيرا حاد الْخلق سليم الْبَاطِن جدا متواضعا ممتهنا لنَفسِهِ بِالْمَشْيِ وَحمل طبق الْعَجِين على طَرِيق)

السّلف لَا يكترث بملبس وَلَا غَيره بل معرضًا عَن الرياسة الَّتِي كَمَا قَالَ المقريزي عرضت عَلَيْهِ فأباها وَعَن الْكِتَابَة على الْفَتْوَى تورعا لَا يتَرَدَّد لأحد من بني الدُّنْيَا وَلَا يمل من الاقراء والمطالعة وَله على الرَّوْضَة وَغَيرهَا حواش متقنة مفيدة وخطه وضيء نير وَترك الِاشْتِغَال فِي آخر عمره وَأَقْبل على التِّلَاوَة والتحدث وَكَانَ ورده فِي كل يَوْم خَتمه أَو قريبها حَتَّى مَاتَ فِي يَوْم السبت رَابِع عشر رَجَب سنة خمس وَعشْرين وَكثر التأسف على فَقده لكَونه لم يخلف بعده فِي حفظ الْفُرُوع مثله وَاسْتقر بعده فِي الفخرية رَفِيقَة الشلقامي وتألم وَلَده لذَلِك فَأَعْرض عَن بَقِيَّة وظائفه بعد مُبَاشَرَته لَهَا فتفرقها النَّاس فَأخذ الغرابية الشّرف السُّبْكِيّ والعشقتمية التَّاج بن تمرية ﵀ وإيانا.

النص من طبعة منشورات دار مكتبة الحياة ببيروت، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الضوء اللامع لأهل القرن التاسع»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.