تجاوز إلى المحتوى

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)

سنة أربع وثمانين

فيها افتح موسى بن نصير أوربّة من المغرب، وبلغ عدد السبي خمسين ألفا.

وفيها قتل الحجاج أيوب بن القريّة، وهي جدّته، لكن قال في «القاموس»: القرّيّة: كجرّيّة الحوصلّة، ولقب جماعة بنت جشم أمّ أيوب بن يزيد الفصيح، المعروف الهلالي. انتهى.

وكان أمّيّا فصيحا، وارتفع شأنه بالفصاحة والخطابة، قدم على الحجّاج فأعجبه، وأوفده على عبد الملك، ولما قام ابن الأشعث، بعثه الحجّاج إليه، فقال له ابن الأشعث: لتقومنّ خطيبا بخلع عبد الملك، وتسبّ الحجّاج، أو لأضربنّ عنقك، فقال: [أيها الأمير]، إنما أنا رسول، قال: هو ما أقول لك، ففعل ذلك، وأقام عنده، فلما هزم ابن الأشعث، كتب الحجّاج، إلى عمّاله أن لا يجدوا أحدا من أصحاب ابن الأشعث إلّا أرسلوه إليه أسيرا.

فكان فيمن أرسلوا ابن القرّيّة، فسأله الحجّاج عن البلدان والقبائل، فقال:

أهل العراق أعلم النّاس بحق وباطل.

وأهل الحجاز أسرع النّاس إلى فتنة، وأعجزهم فيها.

وأهل الشّام أطوع النّاس لخلفائهم.

وأهل مصر عبيد من غلب.

وأهل البحرين نبط استعربوا.

وأهل عمان عرب استنبطوا.

وأهل الموصل أشجع الفرسان [وأقتل للأقران].

وأهل اليمن أهل سمع وطاعة، ولزوم للجماعة.

وأهل اليمامة أهل جفاء واختلاف [أهواء، وأصبر عند اللقاء.

وأهل فارس، أهل بأس شديد، وشر عتيد] وزيف كثير، وقرى يسير.

وأما القبائل فقال: قريش أعظمها أحلاما وأكرمها مقاما.

وبنو عامر بن صعصعة أطولها رماحا، وأكرمها صباحا.

[وبنو سليم أعظمها مجالس، وأكرمها محابس].

وثقيف أكرمها جدودا، وأكثرها وفودا.

وبنو زبيد ألزمها للرايات، وأدركها للثارات.

وقضاعة أعظمها أخطارا، وأكرمها نجارا وأبدعها آثارا.

والأنصار أثبتها مقاما، وأحسنها إسلاما، وأكرمها أياما.

وتميم أظهرها جلدا وأكثرها عددا.

وبكر بن وائل أثبتها صفوفا، وأحدّها سيوفا.

وعبد القيس أسبقها إلى الغايات، وأصبرها تحت الرايات.

وبنو أسد أهل تجلّد وجلد، وعسر ونكد.

ولخم ملوك، وفيهم نوك، أي حمق.

[وجذام يوقدون الحرب ويسعرونها، ويلقحونها ثم يمرونها.

وبنو الحارث رعاة للقديم وحماة عن الحريم].

وعك ليوث جاهدة، في قلوب فاسدة.

[وتغلب يصدقون إذا لقوا ضربا، ويسعرون للأعداء حربا].

وغسّان أكرم العرب أحسابا، وأثبتها أنسابا. وأمنع العرب في الجاهلية أن تضام قريش [كانوا أهل رهوة لا يستطاع ارتقاؤها، وهضبة لا يرام انتزاؤها] في بلدة حمى الله ذمارها، ومنع جارها.

وسأله عن مآثر العرب [في الجاهلية] فقال: كانت العرب تقول:

حمير أرباب الملك، وكندة لباب الملوك، ومذحج أهل الطّعان، وهمدان أحلاس الخيل، والأزد آساد النّاس.

وسأله عن الأراضي فقال: الهند بحرها در، وجبلها ياقوت، وشجرها عود، وورقها عطر، وأهلها طغام [كقطع الحمام].

وخراسان ماؤها جامد وعدوها جاحد.

وعمان بلد سديد، وصيدها عتيد.

والبحرين كناسة بين المصرين.

واليمن أصل العرب، وأهل البيوتات والحسب.

ومكّة رجالها علماء جفاة، ونساؤها كساة عراة.

والمدينة رسخ العلم فيها وظهر منها.

والبصرة شتاؤها جليد، وحرها شديد، وماؤها ملح، وحربها صلح.

والكوفة ارتفعت عن حر البحر، وسفلت عن برد الشام، وطاب ليلها، وكثر خيرها.

وواسط جنة بين حماة وكنّة.

قال: وما حماتها وكنّتها؟ قال: البصرة والكوفة تحسدانها [وما ضرّها]، ودجلة والفرات يتجاذبان بإفاضة الخير عليها.

والشام عروس بين نسوة جلوس.

وسأله عن الآفات فقال: آفة الحلم الغضب.

وآفة العقل العجب.

وآفة العلم النّسيان.

وآفة السّخاء المنّ [عند البلاء].

وآفة الكرام مجاورة اللئام.

وآفة الشجاعة البغي.

وآفة العبادة الفترة.

وآفة الذهن حديث النفس.

وآفة الحديث الكذب.

وآفة المال سوء التدبير.

وآفة الكامل من الرّجال العدم.

قال فما آفة الحجّاج بن يوسف؟ قال: لا آفة لمن كرم حسبه، وطاب نسبه، وزكا فرعه، فقال: أظهرت نفاقا، ثم قال: اضربوا عنقه، فلما رآه قتيلا ندم.

وفيها ظفر أصحاب الحجّاج بابن الأشعث فقتلوه بسجستان، وطيف برأسه في البلدان، واسم ابن الأشعث عبد الرّحمن بن محمّد.

وفيها توفي عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب الهاشميّ، وكان حنّكه النبيّ ﷺ بريقه عند ولادته، ومات بعمان هاربا من الحجّاج، وهو ابن أخت معاوية.

وعتبة بن النّدّر السّلمي بالشام، له صحبة وحديثان.

وعمران بن حطّان السّدوسيّ البصري، أحد رؤوس الخوارج وشاعرهم البليغ.

وروح الجذامي، وهو روح بن زنباع، سيد جذام وأمير فلسطين، كان ذا عقل، ورأي، وكان معظّما عند عبد الملك، لا يكاد يفارقه، وهو عنده بمنزلة وزير، وكان صاحب علم ودين.

النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.