من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)
سنة ثلاث وتسعين
فيها افتتح قتيبة بن مسلم عدّة فتوح، وهزم التّرك، ونازل سمرقند في جيش عظيم، ونصب المجانيق عليها، فجاءت نجدة التّرك، فأكمن لهم كمينا، فالتقوا في نصف الليل، فاقتتلوا قتالا عظيما، ولم يفلت من الترك إلّا اليسير، وافتتحها صلحا، وبنى بها الجامع والمنبر، وقيل: صالحهم على مائة ألف رأس وعلى بيوت النار وعلى حلية الأصنام، فسلبت ثم وضعت الأصنام بين يديه، فكانت كالقصر العظيم، فأحرقها، ثم جمعوا ما بقي منها من مسامير الذّهب والفضة، فكانت خمسين ألف مثقال، واستعمل على البلد ابنه عبد الله، ورد إلى مرو.
وفيها كانت الفتوح بأرض المغرب، والأندلس، وبأرض الروم، وبأرض الهند، ولم يفتح المسلمون منذ خلافة عثمان مثل هذه الفتوح التي جرت بعد التسعين شرقا وغربا، فلله الحمد والمنّة.
وفيها توفي من سادات الصحابة خادم رسول الله ﷺ أبو حمزة أنس بن مالك الأنصاريّ النّجاريّ، وقيل: توفي سنة تسعين، أو إحدى أو اثنتين وتسعين، قدم النبيّ ﷺ المدينة وله عشر سنين، فخدمه، ودعا له بكثرة المال والولد والبركة فيهما، وفيما أوتي، فدفن لصلبه إلى مقدم الحجّاج البصرة مائة وعشرين، وكان نخله يثمر في العام مرتين.
وبلال بن أبي الدّرداء، روى عن أبيه، ووليّ إمرة دمشق.
وأبو الشّعثاء جابر بن زيد، الذي قال فيه ابن عبّاس: لو أنّ أهل البصرة نزلوا على قول أبي الشّعثاء لأوسعهم علما عمّا في كتاب الله ﷿.
وأبو الخطّاب عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة القرشيّ المخزوميّ، الشاعر المشهور، قيل: لم يكن في قريش أشعر منه، وهو كثير المجون والتغزّل بالثّريّا ابنة علي بن عبد الله بن الحارث بن أميّة بن عبد شمس الأموية، التي جدّتها قتيلة بالتصغير ابنة النّضر بن الحارث المنشدة في قتل
أبيها يوم بدر الأبيات وقال النبيّ ﷺ: «لو سمعت شعرها قبل أن أقتله لما قتلته». واستدلّ بهذا القول الصحيح أنّ النبيّ ﷺ كان له أن يجتهد في الأحكام.
وكانت الثّريّا موصوفة بارعة الجمال، وتزوّجها سهيل بن عبد الرّحمن بن عوف، ونقلها إلى مصر، وفيهما يقول عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة:
أيّها المنكح الثّريّا سهيلاعمرك الله كيف يلتقيان
هي شاميّة إذا ما استقلّتوسهيل إذا استقلّ يماني
وهو القائل:
إنّ من أكبر الكبائر عنديقتل بيضاء خودة عطبول
كتب القتل والقتال عليناوعلى الغانيات جرّ الذّيول
ولد عمر هذا في ليلة قتل عمر بن الخطّاب ﵁، وذلك ليلة الأربعاء لأربع بقين من ذي الحجّة سنة ثلاث وعشرين، وكان الحسن البصري يقول فيها: أيّ حق رفع؟ وأيّ باطل وضع؟ يعني مقتل عمر ووضع عمر وكان جدّه أبو ربيعة يلقّب بذي الرمحين، وأبوه عبد الله [أخو أبي جهل بن هشام لأمه، توفي في سفينة غرقا، وعمره سبعون سنة أو ثمانون.
وفيها على الصحيح] وقيل: سنة تسعين توفي أبو العالية رفيع بن مهران الرّياحي مولاهم البصري المقرئ المفسّر، دخل على أبي بكر، وقرأ القرآن على أبيّ، وكان ابن عبّاس يرفعه على السرير وقريش أسفل.
وقال أبو بكر بن أبي داود: ليس بعد الصحابة أحد أعلم، بالقرآن من أبي العالية، وبعده سعيد بن جبير.
قال ابن قتيبة: حجّ أبو العالية ستين حجّة.
وقال الأصمعي: كان أبو العالية، ومكحول جميلين،- يعني مكحول الأزدي- وكان مزّاحا.
قال مسلم بن إبراهيم: سألت أبا العالية عن قتل الذّرّ فجمع منهن شيئا كثيرا وقال: مساكين ما أكيسهن، ثم قتلهن وضحك.
وفيها توفي السيد الجليل زرارة بن أوفى العامريّ أبو حاجب، قاضي البصرة، قرئ في صلاة الصبح فَإِذا نُقِرَ في النَّاقُورِ فَذلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ - فخرّ ميتا.
وفيها عبد الرّحمن بن يزيد بن جارية الأنصاري المدني، ولد في عهد النبيّ ﷺ، وروى عن الصحابة، وولى قضاء المدينة، وعن الأعرج قال:
ما رأيت بعد الصحابة أفضل منه.
النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع