من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)
سنة أربع وتسعين
فيها غزا قتيبة بن مسلم فرغانة فافتتحها بعد قتال عظيم، وبعث جيشا فافتتحوا الشّاش.
وفيها افتتح مسلمة سدرة من أرض الروم.
وتوفي الإمام السّيّد الجليل أبو محمّد سعيد بن المسيّب المخزوميّ المدنيّ، أحد أعلام الدّنيا، [و] سيّد التابعين.
قال ابن عمر: لو رأى رسول الله ﷺ هذا لسرّه.
وقال مكحول، وقتادة، والزّهري، وغيرهم: ما رأينا أعلم من ابن المسيّب.
قال عليّ بن المديني: لا أعلم في التّابعين أوسع علما منه، وهو عندي أجلّ التابعين.
وقال أحمد العجليّ: كان لا يأخذ العطاء، وله أربعمائة دينار يتّجر بها في الزّيت.
وقال مسعر: عن سعد ابن إبراهيم قال: سمعت سعيد بن المسيّب يقول: ما أحد أعلم بقضاء قضاه رسول الله ﷺ، ولا أبو بكر، ولا عمر مني، سمع من الصحابة، وجلّ روايته عن أبي هريرة، وكان تزوّج ابنته.
قال قتادة: ما جمعت علم الحسن إلى علم أحد إلّا وجدت له عليه فضلا، غير أنّه كان إذا أشكل عليه شيء، كتب إلى ابن المسيّب، يسأله.
وقال عبد الرّحمن بن زيد بن أسلم: لما مات العبادلة: عبد الله بن عبّاس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزّبير، وعبد الله بن عمرو بن العاص، صار الفقه في جميع البلدان إلى الموالي، فقيه مكّة عطاء، وفقيه اليمن طاووس، وفقيه اليمامة يحيى بن أبي كثير، وفقيه البصرة الحسن البصريّ، وفقيه الكوفة إبراهيم النّخعيّ، وفقيه الشّام مكحول، وفقيه خراسان عطاء الخراسانيّ، إلّا المدينة، فإن الله تعالى حرسها بقرشيّ فقيه غير مدافع سعيد بن المسيّب، وهو من فقهاء المدينة، جمع بين الحديث، والتفسير، والفقه، والورع، والعبادة.
وعنه قال: حججت أربعين حجّة، وما فاتني التكبيرة الأولى منذ
خمسين سنة، وما نظرت إلى قفا رجل في الصلاة.
وعطّل المسجد النّبويّ أيام الحرّة ولم يبق فيه غيره، وكان لا يعرف أوقات الصلاة إلّا بهمهمة يسمعها داخل الحجرة المقدّسة، وخطب ابنته بعض ملوك بني أمية، فزوّجها فقيرا من الطّلبة، وسيّرها إلى بيته، ثم زارها بعد ذلك ووصلها بشيء من عنده، وكانت ابنة أبي هريرة تحته، وكان جابر بن الأسود على المدينة دعاه إلى بيعة ابن الزّبير فأبى، فضربه ستين سوطا، وضرب أيضا هشام بن إسماعيل ستين سوطا، وطاف به في المدينة في تبّان من شعر، وذلك أنه دعاه إلى البيعة لسليمان، والوليد بالعهد فلم يفعل.
وكان مولده لسنتين مضتا من خلافة عمر، ووفاته بالمدينة.
وولد لسعيد محمّد، وكان نسّابة، فنفى قوما من المخزومين، فرفع ذلك إلى الوالي، فجلده الحدّ.
وكان لسعيد غيره من الولد، وبرد مولاه، قال له: يا برد، إياك أن تكذب عليّ كما يكذب عكرمة على ابن عبّاس.
وقال: كل حديث حدثكموه برد ليس مع غيره مما تنكرونه فهو كذب.
وبالجملة فمناقبه ومآثره تفوت الحصر، وقد صنّف فيها.
وفيها أيضا توفي أحد فقهاء المدينة السبعة أبو محمّد عروة ابن
الزّبير بن العوّام الأسديّ المدنيّ، الفقيه، الحافظ، جمع العلم، والسيادة، والعبادة.
ولد في سنة تسع وعشرين، وحفظ عن والده، وكان يصوم الدّهر ومات صائما، واشتهر أنه قطعت رجله وهو في الصلاة لأكلة وقعت فيها، ولم يتحرّك حتى لم يشعر الوليد بن عبد الملك بذلك وهو عنده، حتى كويت، فوجد رائحة الكيّ.
قال الزّهريّ: رأيته بحرا لا تكدّره الدّلاء.
ودخل على عبد الملك بعد قتل أخيه وسأله سيف الزّبير، فأخرجوا له السيوف، فأخذ منها سيفا مفلّلا فعرفه، وبئره أعذب بئر في المدينة اليوم.
توفي في قرية له دون الفرع بضم الفاء وتسكين الراء من ناحية الرّبذة على أربع ليال من المدينة، ذات نخل ومياه.
وهو شقيق عبد الله، أمهما أسماء بنت أبي بكر، بخلاف مصعب، فإنّ أمّه أخرى، وكان عبد الملك بن مروان يقول: من سرّه أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة، فلينظر إلى عروة بن الزّبير، وسبب ذلك أنهم اجتمعوا في المسجد الحرام وتمنّوا، وكان أمنية عروة الزّهد في الدّنيا، والفوز بالجنة، فلما نال كلّ امرئ منهم أمنيته، كان في ذلك دليل على نيل أمنية عروة.
وقد نظم بعض الفضلاء فقهاء المدينة السبع فقال:
ألا كلّ من لا يقتدي بأئمّةفقسمته ضيزى عن الحقّ خارجة
فخذهم عبيد الله عروة قاسمسعيد أبو بكر سليمان خارجة
وفيها مات أيضا أحد الفقهاء السبعة، أبو بكر بن عبد الرّحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة المخزوميّ، الملقّب براهب قريش لعبادته وفضله، استصغر يوم الجمل فردّ هو وعروة، وكان مكفوفا وأبوه الحارث من الصحابة، وهو أخو أبي جهل لأمه.
وهذه السّنة تسمّى سنة الفقهاء، لأنها مات فيها جماعة منهم، وإنما قيل: الفقهاء السبعة، لأنهم كانوا بالمدينة في عصر واحد ينشر عنهم العلم والفتوى وكان في عصرهم جماعة من فقهاء التابعين مثل: سالم بن عبد الله بن عمر، وغيره، فلم يكن لهم مثل مالهم.
وفيها زين العابدين عليّ بن الحسين الهاشميّ، وولد سنة ثمان وثلاثين بالكوفة، أو سنة سبع، سمّي زين العابدين لفرط عبادته، وكان ورده في اليوم والليلة ألف ركعة إلى أن مات.
وكان يوم استشهد والده مريضا فلم يتعرّضوا له.
وكان عبد الملك يحترمه ويجلّه، وأمّه سلّامة، وقيل: غزالة بنت يزدجرد ملك فارس سبيت ثالثة ثلاث من بناته في خلافة عمر، أمر عمر
ببيعهنّ، فأشار عليّ، بتقويمهن، ويأخذهنّ من اختارهنّ، فأخذهنّ عليّ فدفع واحدة لعبد الله بن عمر، وأخرى لولده الحسين، وأخرى لمحمّد بن أبي بكر الصّدّيق فولدن سالما، وزين العابدين، والقاسم بن محمّد، فهم بنو خالة، وكان أهل المدينة يكرهون السراري حتى نشأ فيهم هؤلاء الثلاثة، وفاقوا فقهاء المدينة ورعا، فرغبت النّاس في السّراري.
ومن برّ زين العابدين لأمه، أنّه كان لا يأكل معها في صحفة ويقول:
أخشى أن تسبق يدي إلى ما سبقت عينها إليه. ومن قوله: إن لله عبّادا عبدوه رهبة، فتلك عبادة العبيد، وآخرين عبدوه رغبة، فتلك عبادة التّجار، وآخرين عبدوه شكرا، فتلك عبادة الأحرار، وتكلم فيه رجل وافترى عليه، فقال له: إن كنت كما قلت فأستغفر الله، وإن لم أكن كما قلت، فالله يغفر لك، فقبّل رأسه وقال: جعلت فداك، لست كما قلت، فاغفر، قال: غفر الله لك، فقال له الرجل: الله أعلم حيث يجعل رسالته.
وقصّته مع هشام والفرزدق، ومدح الفرزدق له مشهورة نذكر شيئا منها عند ذكر الفرزدق إن شاء الله تعالى.
قال الزّهري: ما رأيت أحدا أفقه من زين العابدين، لكنّه قليل الحديث.
وقال أبو حازم الأعرج: ما رأيت هاشميّا أفضل منه.
وعن سعيد بن المسيّب قال: ما رأيت أورع منه.
وقال مالك: بلغني أن عليّ بن الحسين كان يصلّي في اليوم والليلة ألف ركعة إلى أن مات.
وكان يسمّى زين العابدين لعبادته.
وفيها، وقيل: سنة أربع ومائة، أبو سلمة بن عبد الرّحمن بن عوف الزّهريّ المدنيّ، أحد الأئمة الكبار، قال الزّهري: أربعة وجدتهم بحورا:
عروة، وابن المسيّب، وأبو سلمة، وعبيد الله.
وفيها تميم بن طرفة الطّائي الكوفي، ثقة له عدة أحاديث.
النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع