تجاوز إلى المحتوى

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)

سنة خمس وتسعين

فيها أراح الله العباد والبلاد بموت الحجّاج بن يوسف بن أبي عقيل الثقفيّ الطائفيّ، في ليلة مباركة على الأمّة، ليلة سبع وعشرين من رمضان، وله ثلاث، وقيل: أربع أو خمس وخمسون سنة، أو دونها، وكان شجاعا مقداما [مهيبا] مفوّها، فصيحا، سفّاكا، ولي الحجاز سنين ثم العراق، وخراسان عشرين سنة، وأقره الوليد على عمله بعد أبيه، وقيل لابن سيرين: رأيت حمامة بيضاء حسنة على سرادقات المسجد، فجاء صقر فاختطفها، فقال ابن سيرين إن صدقت رؤياك تزوّج الحجّاج ابنة جعفر الطّيّار، فلما تزوّجها قيل لابن سيرين: من أين أخذت ذلك، فقال: الحمامة امرأة، وبياضها حسنها، والسّرادقات شرفها، فلم أر بالمدينة أنقى حسنا ولا أشرف من ابنة جعفر، والصّقر سلطان غشوم، فلم أر أغشم من الحجّاج.

وقال ابن قتيبة في «المعارف»: يكنى الحجّاج أبا محمّد، وكان

أخفش دقيق الصوت، وأول ولاية وليها تبالة فلما رآها احتقرها وانصرف، فقيل في المثل: «أحقر من تبالة على الحجّاج» وولي شرطة أبان بن مروان في بعض ولايات أبان، فلما خرج ابن الزّبير، وقوتل زمانا، قال الحجّاج لعبد الملك: إني رأيت في المنام كأني أسلخ عبد الله بن الزّبير، فوجّهني إليه، فوجّهه في ألف رجل، وأمره أن ينزل الطائف حتى يأتيه أمره ففعل، ثم كتب إليه بقتاله، وأمدّه، فحاصره حتى قتله، ثم أخرجه فصلبه، وذلك في سنة ثلاث وسبعين، فولاه عبد الملك الحجاز ثلاث سنين، فكان يصلّي بالموسم كلّ سنة، ثم ولّاه العراق وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، فوليها عشرين سنة، وأصلحها، وذلّل أهلها، وحدثني أبو اليمان عن حريز بن عثمان، عن عبد الرّحمن بن ميسرة، عن أبي عذبة الحضرمي قال:

قدمت على عمر بن الخطاب ﵁ رابع أربعة من أهل الشام، ونحن حجّاج، فبينا نحن عنده إذ أتاه خبر من العراق بأنهم قد حصبوا إمامهم فخرج إلى الصلاة، ثم قال: من ها هنا من أهل الشام؟ فقمت أنا وأصحابي. فقال: يا أهل الشام تجهّزوا لأهل العراق فإن الشيطان قد باض فيهم وفرّخ، ثم قال: اللهم قد لبّسوا عليّ، فلبّس عليهم، اللهمّ عجّل لهم بالغلام الثّقفيّ، الذي يحكم فيهم بحكم الجاهلية، لا يقبل من محسنهم، ولا يتجاوز عن مسيئهم انتهى.

وأمّ الحجّاج الفارعة بنت همام بن عروة بن مسعود الثقفي، ولدت الحجّاج مشوّها لا دبر له، فنقب عن دبره، وأبى أن يقبل ثديّ أمه أو غيرها [فأعياهم أمره] فيقال: إن الشيطان تصور لهم في صورة الحارث بن كلدة، وكان تزوج الفارعة قبل أبي الحجّاج، وكان حكيم العرب فقال لهم:

ألعقوه دم جدي يومين، واليوم الثالث ألعقوه دم تيس أسود ثم دم ثعبان سالخ أسود، واطلوا به وجهه، وأخبرهم أنه يقبل الثدي في اليوم الرابع، فلذلك كان لا يصبر عن سفك الدماء، ويخبر أنه أكبر لذّاته.

وله مقحمات عظائم وأخبار مهولة وكان معلّما.

قال ابن قتيبة: كان يعلّم [الصبيان] بالطائف واسمه كليب، وأبوه أيضا يوسف كان معلّما.

وقال مالك بن الرّيب في الحجّاج:

فماذا عسى الحجّاج يبلغ جهدهإذا نحن جاوزنا حفير زياد
للشاعر مالك بن الريب، اقرأ القصيدة
فلولا بنو مروان كان ابن يوسفكما كان عبدا من عبيد إياد
للشاعر مالك بن الريب، اقرأ القصيدة
زمان هو العبد المقرّ بذلّهيراوح غلمان القرى ويغادي

وقال آخر:

أينسى كليب زمان الهزالوتعليمه سورة الكوثر
للشاعر شاعر مجهول، من قصيدة «أينسى كليب زمان الهزال»
رغيف له فلكه ما يرىوآخر كالقمر الأزهر

يريد أن خبز المعلّمين مختلف.

ولما حضرته الوفاة قال للمنجّم: هل ترى ملكا يموت؟ قال: بلى، ولست به، أرى ملكا يموت يسمى كليبا، قال: أنا والله كليب كانت أمي سمّتني. انتهى.

وتمثّل حينئذ بقول عبيد بن سفيان العكليّ:

يا ربّ قد حلف الأعداء واجتهدواأيمانهم أنّني من ساكني النّار
للشاعر عبيد بن أيوب العنبري، اقرأ القصيدة
أيحلفون على عمياء ويحهمما علمهم بعظيم العفو غفّار
للشاعر عبيد بن أيوب العنبري، اقرأ القصيدة

وكان موته بالأكلة في بطنه، سوّغه الطبيب لحما في خيط فخرج مملوءا دودا وسلط عليه أيضا البرد، فكان يوقد النّار تحته وتأجّج حتى تحرق ثيابه وهو لا يحسّ بها، فشكا [ما يجده] إلى الحسن البصريّ فقال [له] ألم أكن نهيتك أن تتعرّض للصالحين [فلججت، فقال له:

يا حسن، لا أسألك أن تسأل الله أن يفرج عني، ولكني أسألك أن تسأله أن يعجل قبض روحي ولا يطيل عذابي، فبكى الحسن بكاء شديدا، وأقام الحجّاج على هذه الحال بهذه العلة خمسة عشر يوما] فلما أخبر الحسن بموته سجد شكرا، وقال: اللهمّ كما أمته أمت سنّته.

وكان قد رأى أن عينيه قلعتا: وكان تحته هند بنت المهلّب، وهند بنت أسماء بن خارجة فطلّقهما ليتأوّل رؤياه بهما، فمات ابنه محمّد، وجاءه نعي أخيه محمّد من اليمن، فقال: هذا والله تأويل رؤياي محمّد

ومحمّد في يوم واحد، إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ، ثم قال من: يقول شعرا فيسلّيني [به؟] فقال: الفرزدق:

إن الرّزيّة لا رزيّة بعدهافقد [ان] مثل محمّد ومحمّد
ملكان قد خلت المنابر منهماأخذ الحمام عليهما بالمرصد

قيل: قتل مائة ألف وعشرين ألفا، ووجد في سجونه بعد موته ثلاثة وثلاثون ألفا لم يجب على أحد منهم قطع ولا صلب، ويقال: إن زياد ابن أبيه أراد [أن] يتشبّه بعمر في ضبطه وسياسته، فتجاوز الحدّ ولم يصب، وأراد الحجّاج أن يتشبّه بزياد فدمّر وأهلك.

وفي شعبان من السنة المذكورة قتل الحجّاج- قاتله الله- سعيد بن جبير الوالبيّ مولاهم الكوفيّ المقرئ، المفسّر، الفقيه، المحدّث، أحد الأعلام، وله نحو من خمسين سنة، أكثر روايته عن ابن عبّاس، وحدّث في حياته بإذنه، وكان لا يكتب الفتاوى مع ابن عبّاس، فلما عمي ابن عبّاس كتب، وروي أنه قرأ القرآن في ركعة في البيت الحرام، وكان يؤمّ النّاس في شهر رمضان، فيقرأ ليلة بقراءة ابن مسعود، وليلة بقراءة زيد بن ثابت، وأخرى بقراءة غيرهما، وهكذا أبدا، وقيل: كان أعلم التّابعين بالطّلاق سعيد بن جبير، وبالحجّ عطاء، وبالحلال والحرام طاووس وبالتفسير

مجاهد، وأجمعهم لذلك سعيد بن جبير، وقتله الحجّاج وما على وجه الأرض أحد إلّا وهو مفتقر إلى علمه.

وقال الحسن يوم قتله: اللهمّ أعن على فاسق ثقيف، والله لو أنّ أهل الأرض اشتركوا في قتله لأكبّهم الله في النار. وقال أبو اليقظان:

هو- أي سعيد- مولى لبني والبة من بني أسد، ويكنى أبا عبد الله، وكان أسود، وكتب لعبد الله بن عتبة بن مسعود، ثم كتب لأبي بردة وهو على القضاء وبيت المال، وكان سعيد مع عبد الرّحمن بن محمّد بن الأشعث بن قيس، لما خرج على عبد الملك بن مروان، فلما قتل عبد الرّحمن وانهزم أصحابه من دير الجماجم هرب فلحق بمكّة، وكان واليها يومئذ خالد بن

عبد الله القسري، فأخذه وبعث به إلى الحجّاج مع إسماعيل بن أوسط البجلّي، فقال له الحجّاج: يا شقيّ بن كسير أما قدمت الكوفة وليس يؤمّ بها إلّا عربي فجعلتك إماما؟ فقال: بلى، قال: أما ولّيتك القضاء، فضجّ أهل الكوفة وقالوا: لا يصلح للقضاء إلّا عربيّ، فاستقضيت أبا بردة بن أبي موسى الأشعري، وأمرته أن لا يقطع أمرا دونك؟ قال: بلى، قال أما جعلتك من سمّاري وكلهم رؤوس العرب؟ قال: بلى، قال: أما أعطيتك مائة ألف درهم تفرّقها على أهل الحاجة في أول ما رأيتك ثم لم أسألك عن شيء منها؟ قال:

بلى، قال: فما أخرجك عليّ؟ قال: بيعة كانت في عنقي لابن الأشعث، فغضب الحجّاج ثم قال: أما كانت بيعة أمير المؤمنين عبد الملك في عنقك من قبل؟ والله لأقتلنّك؟. وقال أبو بكر الهذليّ: لما دخل سعيد بن جبير على الحجّاج قام بين يديه، فقال له: أعوذ منك بما استعاذت به مريم بنت عمران حيث قالت: [إِنِّي] أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا، فقال له الحجّاج: ما اسمك قال: سعيد بن جبير، قال:

شقيّ بن كسير، قال: أمّي أعلم باسمي، قال: شقيت وشقيت أمّك، قال:

الغيب يعلمه غيرك، قال: لأوردنّك حياض الموت، قال: أصابت إذا أمّي، قال: فما تقول في محمد ﷺ؟ قال: نبيّ ختم الله تعالى به الرّسل وصدّق به الوحي، وأنقذ به من الهلكة إمام هدي ونبيّ رحمة، قال: فما تقول في الخلفاء؟ قال: لست عليهم بوكيل، إنما استحفظت أمر ديني، قال: فأيّهم

أحبّ إليك؟ قال: أحسنهم خلقا وأرضاهم لخالقه، وأشدّهم فرقا قال: فما تقول في عليّ وعثمان، أفي الجنة هما أو في النار؟ قال: لو دخلتهما فرأيت أهلهما إذا لأخبرتك، فما سؤالك عن أمر غيّب عنك؟ قال: فما تقول في عبد الملك بن مروان؟ قال: مالك تسألني عن امرئ أنت واحدة من ذنوبه؟ قال:

فمالك لم تضحك قطّ؟ قال: لم أر ما يضحكني، كيف يضحك من خلق من تراب وإلى التراب يعود؟ قال: فإني أضحك من اللهو قال ليست القلوب سواء، قال: فهل رأيت من اللهو شيئا، ودعا بالنّاي والعود، فلما نفخ بالنّاي بكى، قال: ما يبكيك؟ قال: ذكّرني يوم ينفخ في الصّور، فأمّا هذا العود فمن نبات الأرض، وعسى أن يكون قد قطع من غير حقّه، وأمّا هذه المغاش والأوتار فإنها سيبعثها الله معك يوم القيامة، قال: إني قاتلك، قال: إن الله ﷿ قد وقّت لي وقتا أنا بالغه، فإن يكن أجلي قد حضر فهو أمر قد فرغ منه، ولا محيص ساعة، وإن تكن العافية، فالله تعالى أولى بها، قال: اذهبوا به فاقتلوه، قال: أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له [وأن محمدا عبده ورسوله] استحفظكها يا حجّاج حتى ألقاك يوم القيامة، فلما تولّوا به ليقتلوه ضحك، قال له الحجّاج: ما أضحكك؟ قال: عجبت من جرأتك على الله، وحلم الله جلّ وعلا عليك ثم استقبل القبلة فقال:

وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَما أَنَا من الْمُشْرِكِينَ قال:

اقتلوه عن القبلة، قال: فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ الله إِنَّ الله واسِعٌ عَلِيمٌ قال: اضربوا به الأرض، قال: مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى قال: اضربوا عنقه، قال:

اللهمّ لا تحل له دمي ولا تمهله من بعدي فلما قتله لم يزل دمه يجري حتى علا وفاض حتى دخل تحت سرير الحجّاج، فلما رأى ذلك هاله وأفزعه، فبعث إلى صادق المتطبّب فسأله عن ذلك، قال: لأنك قتلته ولم يهله، ففاض دمه ولم يجمد في جسده، ولم يخلق الله ﷿ شيئا أكثر دما من الإنسان، فلم يزل به ذلك الفزع حتى منع النّوم، وجعل يقول: مالي ولك يا سعيد بن جبير، وكان في جملة مرضه كلما نام رآه آخذا بمجامع ثوبه يقول:

يا عدوّ الله فيم قتلتني، فيستيقظ مذعورا ويقول: مالي ولابن جبير، وقتل ابن جبير، وله تسع وأربعون سنة، وقبره بواسط يتبرك به.

وفيها توفي مطرّف بن عبد الله بن الشّخّير العامريّ البصريّ، الفقيه العابد المجاب الدّعوة، روى عن عليّ، وعمّار.

وحميد بن عبد الرّحمن بن عوف الزّهريّ، سمع من خاله عثمان

وهو صغير، وكان عالما فاضلا مشهورا.

والإمام الجليل، فقيه العراق بالاتفاق أبو عمران إبراهيم بن يزيد النّخعيّ، أخذ عن مسروق، والأسود، وعلقمة، ورأى عائشة وهو صغير، والنّخع من مذحج، وقد عدّه ابن قتيبة في «المعارف» من الشيعة، وقال عنه: وكان مزّاحا، قيل له: إن سعيد بن جبير يقول: كذا، قال: قل له يسلك وادي النّوكى، وقيل لسعيد: إنه يقول كذا، قال قل له: يقعد في ماء بارد، ومات وهو ابن ستّ وأربعين سنة، وقال ابن عون: كنت في جنازة إبراهيم، فما كان فيها إلّا سبعة أنفس، وصلّى عليه عبد الرّحمن بن الأسود بن يزيد، وهو ابن خاله. انتهى ملخصا.

وفيها أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الرّحمن بن عوف الزّهريّ.

النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.