من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)
سنة ست وثلاثين ومائة
فيها توفي أشعث بن سوّار الكنديّ الأفرق النّجار بالكوفة، لقي الشّعبيّ وغيره.
قال في «المغني»: أشعث بن سوّار الكوفيّ الأفرق التوابيتيّ النجّار، مولى ثقيف. روى عن الشّعبيّ وغيره، وهو من الضعفاء الذين روى لهم مسلم متابعة، ضعفه أحمد، وابن معين، والدّارقطنيّ. وقد وثقه بعضهم.
وقال الثّوريّ: هو أثبت من مجالد. انتهى.
وجعفر بن ربيعة الكنديّ المصريّ، له عن أبي سلمة، والأعرج، وطائفة.
وحصين بن عبد الرّحمن السّلميّ الكوفيّ الحافظ، عن ثلاث وتسعين سنة، لقي جابر بن سمرة، والكبار.
قال في «المغني»: حصين بن عبد الرّحمن الحارثي الكوفي، مقلّ، ما علمت أن أحدا وهاه. انتهى.
وربيعة بن أبي عبد الرّحمن فرّوخ الفقيه، أبو عثمان المدنيّ، عالم المدينة، ويقال له: ربيعة الرّأي. قيل له ذلك، لأنه كان يتقوى بالرأي.
سمع أنسا وابن المسيّب.
وكانت له حلقة للفتوى، وأخذ عنه مالك، وغيره، وأدرك جماعة من الصحابة.
مات بالهاشميّة مدينة بناها السّفّاح بالأنبار، ويوم مات قال مالك:
ذهبت حلاوة الفقه.
وكان أقدمه السّفّاح للقضاء، وكان يكثر الكلام، ويقول: الساكت بين النائم والأخرس. وتكلم يوما وعنده أعرابيّ فقال: ما العيّ فقال: الذي.
أنت فيه منذ اليوم.
وهو من الثقات كما قال ابن ناصر الدّين.
وفيها زيد بن أسلم العدويّ مولاهم الفقيه العابد، لقي ابن عمر، وجماعة، وكانت له حلقة للفتوى والعلم بالمدينة.
قال أبو حازم الأعرج: لقد رأيتنا في حلقة زيد بن أسلم أربعين فقيها أدنى خصلة فينا التواسي بما في أيدينا.
ونقل البخاريّ: أنّ زين العابدين بن عليّ بن الحسين كان يجلس إلى زيد بن أسلم.
وقال ابن ناصر الدّين: زيد بن أسلم القرشيّ العدويّ العمريّ مولاهم المدنيّ أبو عبد الله، وقيل: أبو أسامة الإمام الفقيه العلّامة. روى عن ابن
عمر، وسلمة بن الأكوع، وأنس، وأضرابهم، وله تفسير للقرآن يرويه عنه ابنه عبد الرّحمن. انتهى.
وفيها العلاء بن الحارث الحضرميّ الفقيه الشاميّ صاحب مكحول.
روى عن عبد الله بن بسر، وطائفة. وكان مفتيا جليلا. قاله في «العبر».
وقال في «المغني»: العلاء بن الحارث الدّمشقيّ الفقيه صاحب مكحول.
قال أبو داود: ثقة تغيّر عقله.
وقال البخاريّ: منكر الحديث.
وقيل: كان يرى القدر. انتهى.
وفيها عطاء بن السائب بن مالك الثقفيّ الكوفيّ الصالح. روى عن عبد الله بن أبي أوفى، وطائفة.
قال أحمد بن حنبل: هو ثقة رجل صالح، كان يختم كلّ ليلة، من سمع منه قديما كان صحيحا. قاله في «العبر».
قال في «المغني»: عطاء بن السائب، تابعي مشهور، حسن الحديث.
ساء حفظه بآخرة.
قال أبو حاتم: سمع منه حمّاد بن زيد قبل أن يتغير.
وقال أحمد: ثقة رجل صالح.
وقال أيضا: من سمع منه قديما فهو صحيح.
وقال غيره: ليس بالقويّ.
وقال ابن معين: لا يحتج بحديثه. انتهى.
وفيها يحيى بن إسحاق الحضرميّ، سمع أنسا وجماعة.
قال ابن سعد: له أحاديث. وكان صاحب قرآن وعربيّة. انتهى.
وفي ذي الحجّة مات السّفّاح أبو العبّاس عبد الله بن محمّد بن علي بن عبد الله بن عبّاس الهاشميّ بالأنبار، عن اثنتين وثلاثين سنة. وهو أول خلفاء بني العبّاس، وكان طويلا أبيض جميلا حسن اللّحية، مات بالجدريّ.
وكانت دولته دون الخمس سنين.
وفي أيامه تفرّقت الكلمة، وخرج عن طاعته الناحية الغربيّة إلى بلاد السّودان وإقليم الأندلس، وتغلب على هذه الممالك خوارج [وجماعة].
وأمه ريطة من بني الحارث بن كعب من كهلان، وكان بنو أميّة قد منعوهم من زواج الحارثيات لأنهم قيل لهم: يزول ملكهم على يد ابن الحارثية، فلما كان زمن عمر بن عبد العزيز، استأذنه والد السّفّاح، فقال له:
تزوج من شئت، وبويع له وهو ابن أربع وعشرين، أو ثمان وعشرين، وكان بينه وبين أبيه في السن أربع عشرة سنة، وسمّي السّفّاح لأنه سفح دماء بني أميّة، وكان يحتمل من عبد الله بن الحسين المثنى مواجهته له بما يكره، ويعطيه العطاء الجزيل، وقال له أخوه المنصور يوما في عبد الله بن الحسين وابنه محمّد: إن هؤلاء شنئونا فآنسهم بالإحسان، فإن استوحشوا، فالشر يصلح ما عجز عنه الخير، ولا تدع محمدا يسرح في أعنّة العقوق، فقال له السّفّاح: من شدّد نفّر، ومن لان تألّف، والتغافل من سجايا الكرام.
ودخل على السّفّاح أبو نخيلة فسلم عليه، وانتسب له، وقال: عبدك يا أمير المؤمنين وشاعرك، أفتأذن لي في إنشادك؟ فقال له: ألست القائل في مسلمة بن عبد الملك بن مروان؟:
أمسلم إني يا بن كلّ خليفةويا فارس الهيجا ويا جبل الأرض
شكرتك إنّ الشّكر حبل من التّقىوما كلّ من أوليته نعمة يقضي
وأحييت لي ذكري وما كان خاملاولكنّ بعض الذّكر أنبه من بعض
قال: فأنا يا أمير المؤمنين الذي أقول:
لما رأينا استمسكت يداكاكنّا أناسا نرهب الأملاكا
ونركب الأعجاز والأوراكامن كلّ شيء ما خلا الإشراكا
فكلّ ما قد قلت في سواكازور وقد كفّر هذا ذاكا
إنا انتظرنا قبلها أباكاثمّ انتظرنا بعدها أخاكا
ثمّ انتظرنا لها إياكافكنت أنت للرّجاء ذاكا
فرضي عنه ووصله وأجازه.
وكان أبو العبّاس إذا حضر طعامه أبسط النّاس وجها، فكان إبراهيم بن مخرمة الكنديّ إذا أراد أن يسأله حاجة أخّرها إلى أن يحضر طعامه، ثم يسأله، فقال له يوما: يا إبراهيم، ما دعاك إلى أن تشغلني عن طعامي بحوائجك؟ قال: يدعوني إلى ذلك التماس النّجح لمن أسال له، فقال له أبو العبّاس: إنك لحقيق بالسؤدد لحسن هذه الفطنة.
وكان إذا تعادى رجلان من أصحاب السّفّاح وبطانته لم يسمع من أحدهما في الآخر شيئا ولم يقبله وإن كان القائل عنده عدلا في شهادته، وإذا اصطلح الرّجلان لم يقبل شهادة واحد منهما لصاحبه ولا عليه، ويقول: إن الضغينة القديمة تولّد العداوة المحضة، وتحمل على إظهار المسالمة وتحتها الأفعى التي إذا استمكنت لم تبق.
وكان في أول أيامه يظهر لندمائه، ثم احتجب عنهم، وذلك لسنة خلت من ملكه، وكان قعوده من وراء الستارة، وإذا غنّاه أحد صوتا يطرب من وراء الستارة ويصيح بالمطرب له من المغنّين: أحسنت والله، أعد هذا الصوت.
وكان لا ينصرف عنه أحد من ندمائه ولا مطربيه إلّا بصلة من مال أو كسوة، ويقول: لا يكون سرورنا معجّلا، ومكافأة من سرّنا وأطربنا مؤجّلا، وقد سبقه إلى هذا الفعل بهرام جور من ملوك الفرس.
وقد حضر أبو بكر الهذلي ذات يوم والسّفّاح مقبل عليه يحدّثه بحديث
لأنوشروان في بعض حروبه بالمشرق مع بعض الملوك، فعصفت ريح شديدة، فأذرت ترابا وقطعا من الآجرّ من أعلى السطح إلى المجلس، فجزع من حضر المجلس لوقوعها وارتاع لها، والهذليّ شاخص نحو أبي العبّاس لم يتغير كما تغير غيره، فقال له السّفّاح: لله أنت يا أبا بكر، لم أر كاليوم، أما راعك ما راعنا، ولا أحسست بما ورد علينا؟ فقال: يا أمير المؤمنين، ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه، وإنما للمرء قلب واحد، فلما غمره السرور بفائدة أمير المؤمنين لم يكن فيه لحادث مجال. وإن الله- ﷿ إذا أفرد بكرامة أحد وأحب أن يبقي له ذكرها جعل تلك الكرامة على لسان نبيه أو خليفته، وهذه كرامة خصصت بها فمال إليها ذهني، وشغل بها قلبي فلو انقلبت الخضراء على الغبراء ما أحسست بها ولا وجمت لها إلّا بما يلزمني في نفسي لأمير المؤمنين أعزّه الله. فقال السّفّاح: لئن بقيت لك لأرفعنّ منك ضبعا لا تطيف به السّباع ولا تنحطّ عليه العقبان.
ومما ذكر من أخباره واستفاض من أسماره ما ذكره البهلول بن العبّاس، عن الهيثم بن عدي الطّهماني، عن يزيد الرّقاشي، قال: كان السّفّاح تعجبه مسامرة الرّجال، وإني سمرت عنده ذات ليلة، فقال:
يا يزيد، أخبرني بأظرف حديث سمعته، قلت: يا أمير المؤمنين، وإن كان في بني هاشم؟ قال: ذلك أعجب إليّ، قلت: يا أمير المؤمنين، نزل رجل من تنوخ بحيّ من بني عامر بن صعصعة، فجعل لا يحطّ شيئا من متاعه إلّا تمثل بهذا البيت:
لعمرك ما تبلى سرابيل عامرمن اللّؤم ما دامت عليها جلودها
فخرجت إليه جارية [من الحي] فحادثته وآنسته، وساءلته حتّى أنس بها، ثم قالت: ممن أنت متّعت بك.
فقال: رجل من [بني] تميم.
قالت: أتعرف الذي يقول:
تميم بطرق اللّؤم أهدى من القطاولو سلكت سبل المكارم ضلّت
ولو أنّ برغوثا على ظهر قملةيكرّ على جمعي تميم لولّت
[ذبحنا فسمّينا فتمّ ذبيحناوما ذبحت يوما تميم فسمّت]
أرى اللّيل يجلوه النّهار ولا أرىعظام المخازي عن تميم تجلّت
فقال: لا والله ما أنا من تميم.
قالت: فممن أنت؟
قال: رجل من عجل.
قالت: أتعرف الذي يقول:
أرى النّاس يعطون الجزيل وإنّماعطاء بني عجل ثلاث وأربع
إذا مات عجليّ بأرض فإنّمايشقّ له منها ذراع وإصبع
فقال: لا والله ما أنا من عجل.
قالت: فممن أنت؟
قال: رجل من بني يشكر.
قالت: أتعرف الذي يقول:
إذا يشكريّ مسّ ثوبك ثوبهفلا تذكرنّ الله حتّى تطهّرا
قال: لا والله ما أنا من يشكر.
قالت: فممن أنت؟
قال: رجل من عبد القيس.
قالت: أتعرف الذي يقول:
رأيت عبد القيس لاقت ذلّاإذا أصابوا بصلا وخلّا
ومالحا معتّقا قد صلّاباتوا يسلّون الفساء سلّا
سلّ النّبيط القصب المبتلّا
قال: لا والله ما أنا من عبد القيس.
قالت: فممن أنت؟
قال: رجل من باهلة.
قالت: أتعرف الذي يقول:
إذا ازدحم الكرام على المعاليتنحّى الباهليّ عن الزّحام
ولو كان الخليفة باهليّالقصّر عن مناوأة الكرام
وعرض الباهليّ ولو توقّىعليه مثل منديل الطعام
قال: لا والله وما أنا من باهلة.
قالت: فممن أنت؟
قال: رجل من بني فزارة.
قالت: أتعرف الذي يقول:
لا تأمننّ فزاريّا خلوت بهعلى قلوصك واكتبها بأسيار
لا تأمننّ فزاريّا على حمربعد الذي ابتلّ أير العير في النّار
قال: لا والله ما أنا من فزارة.
قالت: فممن أنت؟
قال: رجل من ثقيف.
قالت: أتعرف الذي يقول:
أضلّ الناسبون أبا ثقيففما لهم أب إلّا الضّلال
فإن نسبت أو انتسبت ثقيفإلى أحد فذاك هو المحال
خنازير الحشوش فقتّلوهافإنّ دماءها لكم حلال
قال: لا والله ما أنا من ثقيف.
قالت: فممن أنت؟
قال: رجل من بني عبس.
قالت: أتعرف الذي يقول:
إذا عبسيّة ولدت غلامافبشّرها بلؤم مستفاد
قال: لا والله ما أنا من عبس.
قالت: فممن أنت؟
قال: رجل من ثعلبة.
قالت: أتعرف الذي يقول:
فثعلبة بن قيس شرّ قوموالأمهم وأغدرهم بجار
قال: لا والله ما أنا من ثعلبة.
قالت: ممن أنت؟.
قال: أنا رجل من غنيّ.
قالت: أتعرف الذي يقول:
إذا غنويّة ولدت غلامافبشّرها بخيّاط مجيد
قال: لا والله ما أنا من غنيّ.
قالت: فممن أنت؟
قال: رجل من بني مرّة.
قالت: أتعرف الذي يقول:
إذا مرّيّة خضبت يداهافزوّجها ولا تأمن زناها
قال: لا والله ما أنا من بني مرّة.
قالت: فممن أنت؟
قال: رجل من بني ضبّة.
قالت: أتعرف الذي يقول:
لقد زرقت عيناك يا بن مكعبركما كلّ ضبّيّ من اللّؤم أزرق
قال: لا والله ما أنا من بني ضبّة.
قالت: فممن أنت؟
قال: رجل من بجيلة.
قالت: أتعرف الذي يقول:
سألنا عن بجيلة أين حلّتلنخبر أين قرّ بها القرار؟
فما تدري بجيلة حين تدعىأقحطان أبوها أم نزار؟
فقد وقعت بجيلة بين بينوقد خلعت كما خلع العذار
قال: لا والله ما أنا من بجيلة.
قالت: فممن أنت ويحك؟! قال: أنا رجل من الأزد.
قالت: أتعرف الذي يقول:
إذا أزديّة ولدت غلامافبشّرها بملّاح مجيد
قال: لا والله ما أنا من الأزد.
قالت: فممن أنت ويلك؟! أما تستحي؟! قل الحقّ.
قال: رجل من خزاعة.
قالت: أتعرف الذي يقول:
إذا افتخرت خزاعة في قديموجدنا فخرها شرب الخمور
وباعت كعبة الرّحمن جهرابزق بئس مفتخر الفجور
قال: لا والله ما أنا من خزاعة.
قالت: فممن أنت؟
قال: رجل من سليم.
قالت: أتعرف الذي يقول:
فما لسليم شتّت الله أمرهاتنيك بأيديها وتعيا أيورها
قال: لا والله ما أنا من سليم.
قالت: فممن أنت؟
قال: رجل من لقيط.
قال: أتعرف الذي يقول:
لعمرك ما البحار ولا الفيافيبأوسع من فقاح بني لقيط
لقيط شرّ من ركب المطاياوأنذل من يدبّ على البسيط
ألا لعن الإله بني لقيطبقايا نسبة من قوم لوط
قال: لا والله ما أنا من لقيط.
قالت: فممن أنت؟
قال: رجل من كندة.
قالت: أتعرف الذي يقول:
إذا ما افتخر الكنديّذو البهجة والطّرّة
فبالنّسج وبالخفّوبالسّدل وبالحفرة
فدع كندة للنّسجفأعلى فخرها عرّة
قال: لا والله ما أنا من كندة.
قالت: فممن أنت؟
قال: رجل من خثعم.
قالت: أتعرف الذي يقول:
وخثعم لو صفرت لها صفيرالطارت في البلاد مع الجراد
قال: لا والله ما أنا من خثعم.
قالت: فممن أنت؟
قال: رجل من طيّء.
قالت أتعرف الذي يقول:
وما طيّء إلّا نبيط تجمّعتفقالت طيانا كلمة فاستمرّت
ولو أنّ حرقوصا يمدّ جناحهعلى جبلي طيّ إذا لاستظلّت
قال: لا والله ما أنا من طيّء.
قالت: فممن أنت؟
قال: رجل من مزينة.
قالت: أتعرف الذي يقول:
وهل مزينة إلّا من قبيلةلا يرتجى كرم منها ولا دين
قال: لا والله ما أنا من مزينة.
قالت: فممن أنت؟
قال: رجل من النّخع.
قالت: أتعرف الذي يقول:
إذا النّخع اللّئام غدوا جميعاتأذّى النّاس من وفر الزّحام
وما تسمو إلى مجد كريموما هم في الصميم من الكرام
قال: لا والله ما أنا من النّخع.
قالت: فممن أنت؟
قال: رجل من أود.
قالت: أتعرف الذي يقول:
إذا نزلت بأود في ديارهمفاعلم بأنّك منهم ليس بالنّاجي
لا تركننّ إلى كهل ولا حدثفليس في القوم إلّا كلّ عفّاج
قال: لا والله ما أنا من أود.
قالت: فممن أنت؟
قال: رجل من لخم.
قالت: أتعرف الذي يقول:
إذا ما انتمى قوم لفخر قديمهمتباعد فخر الجود عن لخم اجمعا
قال: لا والله ما أنا من لخم.
قالت: فممن أنت ويلك؟!! أما تستحي من كثرة الكذب؟.
قال: أنا رجل من تنوخ، وهو الحقّ.
قالت: أتعرف الذي يقول:
إذا تنوخ قطعت منهلافي طلب الغارات والثّار
آبت بخزي من إله السّماوشهرة في الأهل والجار
قال: لا والله ما أنا من تنوخ.
قالت: فممن أنت ثكلتك أمّك؟!.
قال: أنا رجل من حمير.
قالت: أتعرف الذي يقول:
نبّئت حمير تهجوني فقلت لهمما كنت أحسبهم كانوا ولا خلقوا
لأنّ حمير قوم لا نصاب لهمكالعود بالقاع لا ماء ولا ورق
لا يكثرون وإن طالت حياتهمولو يبول عليهم ثعلب غرقوا
قال: لا والله ما أنا من حمير.
قالت: فممن أنت؟
قال: رجل من يحابر.
قالت: أتعرف الذي يقول:
ولو صرّ صرّار بأرض يحابرلماتوا وأضحوا في التّراب رميما
قال: لا والله ما أنا من يحابر.
قالت: فممن أنت؟
قال: رجل من قشير.
قالت: أتعرف الذي يقول:
بني قشير قتلت سيّدكمفاليوم لا فدية ولا قود
قال: لا والله ما أنا من قشير.
قالت: فممن أنت؟
قال: رجل من بني أميّة.
قالت: أتعرف الذي يقول:
وهى بأميّة بنيانهاوهان على الله فقدانها
وكانت أميّة فيما مضىجريء على الله سلطانها
فلا آل حرب أطاعوا الرّسولولم يتّق الله مروانها
قال: لا والله ما أنا من بني أميّة.
قالت: فممن أنت؟
قال: رجل من بني هاشم.
قالت: أتعرف الذي يقول:
بني هاشم عودوا إلى نخلاتكمفقد صار هذا التّمر صاعا بدرهم
فإن قلتم رهط النّبيّ محمّدفإنّ النّصارى رهط عيسى بن مريم
قال: لا والله ما أنا من بني هاشم.
قالت: فممن أنت؟
قال: رجل من همدان.
قالت: أتعرف الذي يقول:
إذا همدان دارت يوم حربرحاها فوق هامات الرّجال
رأيتهم يحثّون المطاياسراعا هاربين من القتال
قال: لا والله ما أنا من همدان.
قالت: فممن أنت؟
قال: رجل من قضاعة.
قالت: أتعرف الذي يقول:
لا يفخرنّ قضاعيّ بأسرتهفليس من يمن محضا ولا مضر
مذبذبين فلا قحطان والدهمولا نزار فخلّوهم إلى سقر
قال: لا والله ما أنا من قضاعة.
قالت: فممن أنت؟
قال: رجل من شيبان.
قالت: أتعرف الذي يقول:
شيبان قوم لهم عديدوكلّهم مقرف لئيم
ما فيهم ماجد حسيبولا نجيب ولا كريم
قال: لا والله ما أنا من شيبان.
قالت: فممن أنت؟
قال: رجل من بني نمير.
قالت: أتعرف الذي يقول:
فغضّ الطّرف إنّك من نميرفلا كعبا بلغت ولا كلابا
ولو وضعت فقاح بني نميرعلى خبث الحديد إذا لذابا
قال: لا والله ما أنا من نمير.
قالت: فممن أنت؟
قال: أنا رجل من تغلب.
قالت: أتعرف الذي يقول:
لا تطلبنّ خؤولة في تغلبفالزّنج أكرم منهم أخوالا
والتّغلبيّ إذا تنحنح للقرىحكّ استه وتمثّل الأمثالا
قال: لا والله ما أنا من تغلب.
قالت: فممن أنت؟
قال: رجل من مجاشع.
قالت: أتعرف الذي يقول:
تبكي المغيبة من بنات مجاشعولها إذا سمعت نهيق حمار
قال: لا والله ما أنا من مجاشع.
قالت: فممن أنت؟
قال: أنا رجل من كلب.
قالت: أتعرف الذي يقول:
فلا تقربن كلبا ولا باب دارهافما يطمع السّاري يرى ضوء نارها
قال: لا والله ما أنا من كلب.
قالت: فممن أنت؟
قال: رجل من تيم.
قالت: أتعرف الذي يقول:
تيميّة مثل أنف الفيل مقبلهاتهدي الرّدى ببنان غير مخدوم
قال: لا والله ما أنا من تيم.
قالت: فممن أنت؟
قال: رجل من تيم.
قالت: أتعرف الذي يقول:
تمنّيني سويق الكرم جرموما جرم وما ذاك السّويق
فما شربوه لمّا كان حلاولا غالي بها إذ قام سوق
فلمّا أنزل التّحريم فيهاإذا الجرميّ منها لا يفيق
قال: لا والله ما أنا من جرم.
قالت: فممن أنت؟
قال رجل من سليم.
قالت: أتعرف الذي يقول:
إذا ما سليم جئتها لغدائهارجعت كما قد جئت عريان جائعا
قال: لا والله ما أنا من سليم.
قالت: فممن أنت؟
قال: رجل من الموالي.
قالت: أتعرف الذي يقول:
ألا من أراد اللّؤم والفحش والخنافعند الموالي الجيد والطّرفان
[قال: لا والله ما أنا من الموالي.
قالت: فممن أنت؟] قال: أخطأت نسبي وربّ الكعبة، أنا رجل من الخوز.
قالت: أتعرف الذي يقول:
لا بارك الله ربّي فيكم أبدايا معشر الخوز إنّ الخوز في النّار
قال: لا والله ما أنا من الخوز.
قالت: ممن أنت؟
قال: من أولاد حام.
قالت: أتعرف الذي يقول:
ولا تنكحن أولاد حام فإنّهممشاويه خلق الله حاشا ابن أكوع
قال: لا والله ما أنا من ولد حام، ولكني من ولد الشيطان الرّجيم.
قالت: فلعنك الله ولعن أباك معك، أتعرف الذي يقول:
ألا يا عباد الله هذا عدوّكمعدوّ نبيّ الله إبليس ينهق
فقال لها: هذا مقام العائذ بك.
قالت: قم فارحل خاسئا مذموما، وإذا نزلت بقوم فلا تنشد فيهم شعرا حتّى تعرف من هم، ولا تتعرّض للمباحثة عن مساوئ النّاس، فلكل قوم إساءة وإحسان إلّا رسل ربّ العالمين ومن اختاره الله من عباده وعصمه من عدوه، وأنت كما قال جرير للفرزدق:
وكنت إذا حللت بدار قومرحلت بخزية وتركت عارا
فقال لها: والله لا أنشدت بيت شعر أبدا.
فقال السّفّاح: لئن كنت عملت هذا الخبر، ونظمت فيمن ذكرت هذه الأشعار، فلقد أحسنت، وأنت سيّد الكذّابين، وإن كان الخبر صدقا وكنت فيما ذكرت محقّا، فإنّ هذه الجارية لمن أحضر النّاس جوابا، وأبصرهم بمثالب النّاس.
قال المسعوديّ: وللسّفّاح أخبار غير هذه، وأسمار حسان، أتينا على مبسوطها في كتابينا «أخبار الزّمان» و «الأوسط». انتهى.
النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع