تجاوز إلى المحتوى

من «روضة العقلاء ونزهة الفضلاء» لابن حبان البستي (ت ٣٥٤هـ)

ذكر استحباب التفريج عَن الناس بقضاء الحوائج

حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ مَحْمُودٍ النَّسَائِيُّ حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ زَنْجَوَيْهِ حَدَّثَنَا مُحَاضِرُ بْنُ الْمُوَرِّعِ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ نَفَّسَ عَنْ أَخِيهِ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللَّهُ عنه كربة من كرب يوم الْقِيَامَةِ وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَنْ سَتَرَ عَلَى مُسْلِمٍ سَتَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ

قال أَبُو حاتم رضي الله عنه الواجب على المسلمين كافة نصيحة المسلمين والقيام بالكشف عَن همومهم وكربهم لأن من نفس كربة من كرب الدنيا عَن مسلم

نفس اللَّه عنه كربة من كرب يوم القيامة ومن تحرى قضاء حاجته ولم يقض قضاؤها على يديه فكأنه لم يقصر في قضائها وأيسر مَا يكون في قضاء الحوائج استحقاق الثناء والإخوان يعرفون عند الحوائج كما أن الأهل تختبر عند الفقر لأن كل الناس في الرخاء أصدقاء وشر الإخوان الخاذل لإخوانه عند الشدة والحاجة كما أن شر البلاد بلدة ليس فيها خصب ولا أمن

وأنشدني الكريزي

خير أيام الفتى يوم نفعواصطناع العرف أبقى مصطنع
للشاعر منصور الكريزي، اقرأ القصيدة
مَا ينال الخير بالشر ولايحصد الزارع إلا مازرع
للشاعر منصور الكريزي، اقرأ القصيدة
ليس كل الدهر يوما واحداربما انحط الفتى ثم ارتفع
للشاعر منصور الكريزي، اقرأ القصيدة

حدثنا مُحَمَّد بْن سليمان بْن فارس حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن سَعِيد الدارمي حدثنا بشر ابن عمر حَدَّثَنَا الربيع قَالَ كان الحسن يقول قضاء حاجة أخ مسلم أحب إلي من اعتكاف شهرين

وأنشدني علي بْن مُحَمَّد البسامي

سابق إلى الخير وبادر بهفإن من خلفك مَا تعلم
وقدم الخير فكل امريءعلى الذي قدمه يقدم

حدثنا أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن سَعِيد القيسي حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن موسى البصري حَدَّثَنَا الأصمعي حَدَّثَنَا أَبُو معمر شبيب بْن شيبة الخطيب قَالَ لما حضرت ابن سَعِيد ابن العاص الوفاة قَالَ لبنيه يا بني أيكم يقبل وصيتي فقال ابنه الأكبر أنا قَالَ إن فيها قضاء ديني قَالَ وما دينك يا أبت قَالَ ثمانون ألف دينار قَالَ يا أبت فيم أخذتها قَالَ يا بني في كريم سددت خلته ورجل جائني في حاجة وقد رأيت السوء في وجهه من الحياء فبدأت بحاجته قبل أن يسألها

قال أَبُو حاتم رضي الله عنه حقيق على من علم الثواب أن لا يمنع مَا ملك

من جاه أو مال إن وجد السبيل إليه قبل حلول المنية فيبقى عَن الخيرات كلها ويتأسف على مَا فاته من المعروف

والعاقل يعلم أن من صحب النعمة في دار الزوال لم يخل من فقدها وأن من تمام الصنائع وأهناها إذا كان ابتداء من غير سؤال

حدثنا عمرو بْن مُحَمَّد حَدَّثَنَا الْغَلابِيُّ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرحمن المهلبي قَالَ دخل أَبُو العتاهية على الرشيد فقال سل يا أبا العتاهية فقال

إذا كان المنال ببذل وجهفلا قربت من ذاك المنال

وأنشدني عَبْد العزيز بْن سليمان ... يبقى الثناء وتنفذ الأموال ... ولكل دهر دولة ورجال ما نال محمدة الرجال وشكرهم ... إلا الصبور عليهم المفضال حدثني مُحَمَّد بْن عبدل بْن المهدي الشعراني حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يزيد الطرسوسي حَدَّثَنَا ابن عائشة قَالَ قَالَ أَبِي جاء رجل إلى يَحْيَى بْن طلحة بْن عُبَيْد اللَّه فقال له هب لي شيئا قَالَ يا غلام أعطه مَا معك فأعطاه عشرين ألفا فأخذها ليحملها فثقلت عَلَيْهِ فقعد يبكي فقال مَا يبكيك لعلك استقللتها فأزيدك قَالَ لا والله مَا استقللتها ولكن بكيت على مَا تأكل الأرض من كرمك فقال له يَحْيَى هذا الذي قلت لنا أكثر مما أعطيناك

قال أَبُو حاتم رضي الله عنه لا يجب الإلحاف عند السؤال في الحوائج لأن شدة الاجتهاد ربما كانت سببا للحرمان والمنع والطالب للفلاح كالضراب بالقداح سهم له وسهم عَلَيْهِ فإن أعطي وجب عَلَيْهِ الحمد وإن منع لزمه الرضاء بالقضاء ولا يجب أن يكون السؤال إلا في ديار القوم ومنازلهم لا في المحافل والمساجد والملأ لأن مُحَمَّدُ بْنُ مَحْمُودٍ النَّسَائِيُّ حَدَّثَنَا قَالَ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الضَّبِّيُّ عَنْ حُنَيْفٍ الْمُؤَذِّنِ قَالَ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه لا تَسْأَلُوا النَّاسَ فِي مَجَالِسِهِمْ وَمَسَاجِدِهِمْ

فَتَفْحَشُوهُمْ وَلَكِنْ سَلُوهُمْ فِي مَنَازِلِهِمْ فَمَنْ أَعْطَى أَعْطَى وَمَنْ مَنَعَ مَنَعَ

قال أَبُو حاتم رَضِيَ عنه الذي قاله عمر بْن الخطاب رحمة الله عليه ورضوانه إذا كان المسئول كريما فإنه إن سئل الحاجة في نادي قومه ولم يكن عنده قضاؤها تشور وخجل وأما إذا كان المسئول لئيما ودفع المرء إلى مسألته في الحاجة تقع له فإنه إن سأله في مجلسه ومسجده كان ذلك أقضى لحاجته لأن اللئيم لا يقضي الحاجة ديانة ولا مروءة وإنما يقضيها إذا قضاها طلبا للذكر والمحمدة في الناس

على أني أستحب للعاقل أن لو دفعه الوقت إلى أكل القد ومص الحصى ثم صبر عَلَيْهِ لكان أحرى به من أن يسأل لئيما حاجة لأن إعطاء اللئيم شين ومنعه حتف

ولقد أنشدني مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه البغدادي

إذا أعطى القليل فتى شريففإن قليل مَا يعطيك زين
للشاعر محمود الوراق، من قصيدة «إذا أعطى القليل فتى شريف»
وإن تكن العطية من دنيفإن كثير مَا يعطيك شين

أنبأنا أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن الفضل السجستاني بدمشق حَدَّثَنَا علي بْن خشرم قَالَ سمعت سَعِيد بْن مسلم بْن قتيبة بْن مسلم الباهلي يقول خرجت حاجا فمللت المحمل فنزلت أساير القطرات فقال أتانا أعرابي فقال لي يا فتى لمن الجمال بما عليها قلت لرجل من باهلة قَالَ يا لله أن يعطى اللَّه باهليا كل مَا أرى قَالَ فأعجبني ازدراؤه بهم ومعي صرة فيها مائة دينار فرميت بها إليه فقال جزاك اللَّه خيرا وافقت مني حاجة فقلت يا أعرابي أيسرك أن تكون الجمال بما عليها لك وأنت من باهلة قَالَ لا قلت أفيسرك أن تكون من أهل الجنة وأنت باهلي قَالَ بشرط أن لا يعلم أهل الجنة أني من باهلة فقلت يا أعرابي الجمال بما عليها لي وأنا من باهلة قَالَ فرمى بالصرة إلي فقلت سبحان اللَّه ذكرت أنها وافقت منك حاجة قَالَ مَا يسرني

أن القى اللَّه ولباهلي عندي يد فحدثت بها المأمون فجعل يتعجب ويقول ويحك ياسعيد مَا كان أصبرك عَلَيْهِ

حدثنا مُحَمَّد بْن الرقام بتستر حَدَّثَنَا أو حاتم السجستاني حَدَّثَنَا الأصمعي حَدَّثَنَا هاشم بْن القاسم قَالَ سألت سالم بْن قتيبة حاجة فقضاها ثم سألته أخرى فانتهرني وقال حاجتين في حاجة أو قَالَ على الريق ثم دعا بالطعام فلما تغدى قَالَ هات حاجتك أما سمعت قول الصبيان

إذا تغديت وطابت نفسيفليس في الحق غلام مثلي

إلا غلام قد تغدى قبلي ...

أنبأنا عمرو بْن مُحَمَّد حَدَّثَنَا الغلابي حَدَّثَنَا مهدي بْن سابق عَن عطاء بْن مصعب قَالَ قَالَ أَبُو عمرو المنذري أتيت مسلم بْن قتيبة في حاجة وكان له صديق من أهل الشام فكلمته أن يكلمه في حاجتي فجعل يقول اليوم غدا فطال علي فتراءيت له وقد كان يعرفني فدعاني فقال أبا عمرو إنك لههنا قلت نعم أطالبك بحاجة منذ كذا وكذا وسيلتي فيها فلان فضحك وقال قد كنت أراك قد احكمت الآدب لا تستعن إلى من تطلب إليه حاجة بمن له عنده طعمة فإنه لا يؤثرك على طعمته ولا تستعن بكذاب فإنه يقرب لك البعيد ويبعد لك القريب ولا تستعن بأحمق فإن الأحمق يجهد لك نفسه ولا يكون عنده شيء ولا يبلغ لك مَا تريد فانصرفت فقلت يكفيني هذا قَالَ لا ولكن تقضى لك حاجتك فقضاها

قال أَبُو حاتم رضي الله عنه لا يجب للعاقل أن يتوسل في قضاء حاجته بالعدو ولا بالأحمق ولا بالفاسق ولا بالكذاب ولا بمن له عند المسئول طعمة ولا يجب أن يجعل حاجتين في حاجة ولا أن يجمع بين سؤال وتقاض ولا يظهر شدة الحرص في اقتضاء حاجته فإن الكريم يكفيه العلم بالحاجة دون المطالبة والاقتضاء

ولقد أنشدني منصور بْن مُحَمَّد الكريزي

وإذا طلبت إلى كريم حاجةفاصبر ولا تك للمطال ملولا
للشاعر منصور الكريزي، اقرأ القصيدة
لا تظهرن شره الحريص ولا تكنعند الأمور إذا نهضت ثقيلا
للشاعر منصور الكريزي، اقرأ القصيدة

وأنشدني مُحَمَّد بن إسحاق الواسطي العرزمي

وإذا طلبت إلى كريم حاجةفحضوره يكفيك والتسليم
فإذا رآك مسلما عرف الذيحملته فكأنه ملزوم

قال أَبُو حاتم رضي الله عنه العاقل لا يتسخط مَا أعطي وإن كان تافها لأن من لم يكن له شيء فكل شيء يستفيده ربح ولا يجب أن يسأل الحاجة كل إنسان فرب مهروب منه أنفع من مستغاث إليه ولا يجب أن يكون السائل متشفعا لآخر لأن من لم يقدر على أن يسبح فلا يجب أن يحمل على عنقه آخر ومن سئل فليبذل لأن مال المرء نصفان له مَا قدم ولوارثه مَا خلف وأقرب الأشياء في الدنيا زوالا المال والولاية والتعاهد للصنيعة بالتحفظ عليها أحسن من ابتدائها ومن غرس غراسا فلا يضنن بالنفقة على تربيته فتذهب النفقة الأولى ضياعا

حدثني مُحَمَّد بْن أَبِي علي الخلادي حدثني مُحَمَّد بْن أَبِي يعقوب الربعي حَدَّثَنَا عَبْد الكريم بْن مُحَمَّد الموصلي حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ سمعت أبا تمام حبيب بْن أوس الطائي يقول وقفت على باب مالك بْن طوق الرحبي أشهرا فلم أصل إليه ولم يعلم بمكاني فلما أردت الانصراف قلت للحاجب أتأذن لي إليه أم أنصرف قال أما الآن فلا سبيل إليه قلت فإيصال رقعة قَالَ لا ولا يمكن هذا ولكن هو خارج اليوم الى بستان له فاكتب الرقعة وارم بها في موضع أرانيه الحاجب فكتبت

لعمري لئن حجبتني العبيد عنكفلم تحجب القافيه
سأرمي بها من وراء الجدارشنعاء تأتيك بالداهيه
.. تصم السميع وتعمي البصيرومن بعدها تسأل العافيه

فكتبت بها ورميت بها من المكان الذي أرانيه الحاجب فوقعت بين يديه فأخرجها فنظر فيها فقال علي بصاحب الرقعة فخرج الخادم فقال من صاحب الرقعة قلت أنا فأدخلت عَلَيْهِ فقال لي أنت صاحب الرقعه قلت نعم فاستنشدني فأنشدته فلما بلغت ومن بعدها تسأل العافيه قَالَ لا بل نسأل العافية من قبلها ثم قَالَ حاجتك فأنشأت أقول

ماذا أقول إذا انصرفت وقيل ليماذا أصبت من الجواد المفصل
وإن قلت أغناني كذبت وإن أقلضن الجواد بماله لم يجمل
فاختر لنفسك مَا أقول فإننيلا بد أخبرهم وإن لم أسأل
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «ماذا أقول إذا انصرفت وقيل لي»

فقال إذا والله لا أختار إلا أحسنها كم أقمت ببابي قلت أربعة أشهر قَالَ يعطى بعدد أيامه ألوفا فقبضت مائة وعشرين ألف درهم

سمعت مُحَمَّد بْن نصر بْن نوفل بقوقل يقول سمعت أبا داود السنجي يقول كان ببغداد رجل يقال له ابن الهفت فمر يوما على سائل واقف على الجسر وهو يقول اللهم ارزق المسلمين حتى يعطوني فقال له تسأل ربك الحوالة

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «روضة العقلاء ونزهة الفضلاء»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.