من «روضة العقلاء ونزهة الفضلاء» لابن حبان البستي (ت ٣٥٤هـ)
ذكر الزجر عَن ترك قبول الهدايا من الإخوان
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ الطَّبَرِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عِمْرَانَ الأَصْبَهَانِيُّ بِالرَّيِّ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ ضُرَيْسٍ حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَجِيبُوا الدَّاعِيَ وَلا تَرُدُّوا الْهَدِيَّةَ وَلا تَضْرِبُوا الْمُسْلِمِينَ
قال أَبُو حاتم رضي الله عنه زجر النَّبِيّ ﷺ في هذا الخبر عَن ترك قبول الهدايا بين المسلمين
فالواجب على المرء إذا أهديت إليه هدية أن يقبلها ولا يردها ثم يثيب عليها إذا قدر ويشكر عنها وإني لأستحب للناس بعث الهدايا إلى الإخوان بينهم إذ الهدية تورث المحبة وتذهب الضغينة
ولقد حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن المهاجر حَدَّثَنَا الدارمي حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن صالح
أَنْبَأَنَا الليث قَالَ سمعت عَبْد الملك بْن رفاعة الفهمي يقول الهدية هو السحر الظاهر
حدثني إبراهيم بن أبي أميه بطرسوس حَدَّثَنَا حامد بْن يَحْيَى البلخي حَدَّثَنَا سُفْيَان قَالَ لما قعد أبو حنيفة قَالَ للناس مساور الوراق
كنا من الدين قبل اليوم في سعةحتى بلينا بأصحاب المقاييس
قوم إذا اجتمعوا صاحوا كأنهمثعالب ضبحت بين النواويس
قال فبلغ ذلك أبا حنيفة فبعث إليه بمال فقال مساور حين قبض المال
إذا مَا الناس يوما قايسونابآبدة من الفتيا طريفه
أتيناهم بمقياس صحيحمصيب من طراز أَبِي حنيفه
إذا سمع الفقيه بها وعاهاوأثبتها بحبر في صحيفه
وأنشدني الكريزي
إن الهدية حلوةكالسحر تختلب القوبا
تدني البعيد من الهوىحتى تصيره قريبا
وتعيد مضطغن العداوةبعد بغضته حبيبا
تنفي السخيمة من ذوي الشحناوتمتحق الذنوبا
أنبأنا الحسين بْن إِسْحَاق الأصبهاني بالكرج وإبراهيم بْن مُحَمَّد الدستوائي بتستر قالا حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عُبَيْد بْن عتبة الكندي حَدَّثَنَا بكار بْن أسود العامري حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل بْن أبان قَالَ بلغ الحسن بْن عمارة أن الأعمش يقع فيه فبعث إليه بكسوة فلما كان بعد ذلك مدحه الأعمش فقيل له كيف تذمه ثم تمدحه قَالَ إن خيثمة حدثني عَن عَبْد اللَّه قَالَ إن القلوب جبلت على حب من أحسن إليها وبغض من أساء إليها
قال أَبُو حاتم رضي الله عنه قَالَ لنا هذان الشيخان عَن النَّبِيّ ﷺ وأنا أهابه قَالَ والبشر مجبولون على محبة الإحسان وكراهية
الأذى واتخاذ المحسن إليهم حبيبا واتخاذ المسيء إليهم عدوا
فالعاقل يستعمل مع أهل زمانه لزوم بعث الهدايا بما قدر عَلَيْهِ لاستجلاب محبتهم إياه ويفارقه تركه مخافة بغضهم
ولقد أنشدني الأبرش
هَدايا الناسِ بَعضِهِمُ لِبَعضٍتُوَلِّدُ في قُلوبِهِمُ الوِصالا
وتزرع في الضمير هوى ووداوتكسوك المهابة والجلالا
مصايد للقلوب بغير لغبوتمنحك المحبة والجمالا
حدثني مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ الْقَزَّازُ حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن لقمان البهراني النجراني حَدَّثَنَا موسى بْن أيوب حَدَّثَنَا خداش بْن المهاجر عَن الحسن بْن دينار عَن ابن سيرين قَالَ كانوا يتهادون الدراهم في الجوالقات والأطباق
قال أَبُو حاتم رضي الله عنه الواجب على العاقل أن يستعمل الأشياء على مَا يوجب الوقت ويرضي بنفاذ القضاء ولا يتمنى ضد ما زرق وإن كان عنده الشيء التافه لا يجب أن يمتنع من بذله لاستحقاره واستقلاله لأن أهون مَا فيه لزوم البخل والمنع ومن حقر شيء منعه بل يكون عنده الكثرة والقلة في الحالة سيان لأن مَا يورث الكثير من الخصال أورث الصغير بقدره من الفعال
حدثنا عمرو بْن مُحَمَّد الأنصاري حَدَّثَنَا الغلابي حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن عمر بْن حبيب عَن الأصمعي قَالَ دخلنا على كهمس العابد فجاء بخمسة وعشرون بسرة حمراء فقال هذا الجهد من أخيكم والله المستعان
وأنشدني ابن زنجي
إن المنى عجب لله صاحبهالعل حتف امريء فيما تمناه
فإن ترى عبرا فيهن معتبريجري بها قدر فالله أجراه
.. لاتحقرن من الإحسان محقرةأحسن فعاقبة الإحسان حسناه
حدثنا مُحَمَّد بْن أيوب بْن مشكان بطبرية قصبة الأردن حَدَّثَنَا أَبُو عتبة حَدَّثَنَا سلمة بْن عَبْد الملك العرضي حَدَّثَنَا المعافى بْن عمران قَالَ سمعت ميمون يقول من رَضِيَ من خلة الإخوان بلا شيء فليواخ أهل القبور
حدثنا أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن سَعِيد القيسي حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الوليد بْن أبان العقيلي حَدَّثَنَا نعيم بْن حماد قال أنشدني ابن المبارك
ما ذاق طعم الغنى من لا قنوع لهولن ترى قانعا مَا عاش مفتقرا
والعرف من يأته يحمد عواقبهمَا ضاع عرف ولو أوليته حجرا
سمعت يُوسُف بْن يونس الفرغاني يقول بعث أَبُو السنور الشاعر إلى الأمير أَبِي الأشعث بطبق ورد يوم النيروز هدية وبعث إليه بهذه الأبيات
بعثنا ببر تافه دون قدركموما تبعث الألطاف للقل والكثر
ولكن ظرفا أن تزيد مودةفهل تكرمنا بالقبول وبالعذر
فلو كان بري حسب مَا أنت أهلهأتاك إذا روحي على طبق البر
سمعت عمر بْن مُحَمَّد الهمداني يقول سمعت وزيره بْن مُحَمَّد الغساني يقول قدم بعض الكتاب العسكر فأهدى إليه إخوانه وكان فيهم من قعدت به الحال فوجه إليه بدقة وأشنان وكتب إليه لو تمت الإرادة جعلت فداءك ببلوغ النية فيه وملكتني الجدة بسط القدرة لأتعبت السابقين إلى برك ولبرزت أمام المجتهدين في فضلك ولكن البضاعة قعدت بالهمة وقصرت عَن مساماة أهل النعمة وكرهت أن تطوى صحيفة البر وليس لي فيها ذكر فوجهت إليك بالمبتدأ به ليمنه وبركته وبالمختتم به لطيبه ونفعه مقتصرا عن ألم التقصير فيه فأما مَا سوى ذلك فالمعبر عني فيه قول الله ﴿ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون مَا ينفقون حرج﴾ والسلام
حدثنا محمد بن يوسف الأرمني حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن عَبْد العزيز الموصلي حَدَّثَنَا
مُحَمَّد بْن علي بْن الفضل المديني حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن شعيب الزبيري حدثنا محمد ابن إِسْحَاق المسيبي عَن القاسم بْن المعتمر عَن حميد بْن معيوف عَن أبيه قَالَ كنت ممن شهد الحكم بْن حنطب بمنبج وهو يريد أن يموت وقد كان لقي من الموت شدة فقلت أو قَالَ رجل اللهم هون عَلَيْهِ الموت فلقد كان ولقد كان فأثنى عَلَيْهِ فأفاق من غشيته قَالَ من المتكلم قَالَ المتكلم أنا قَالَ إن ملك الموت يقول إني بكل رجل سخي رفيق قَالَ ثم كأن فتيلة أطفئت فمات فبلغ ابن هرمة الشاعر موته فأنشأ يقول
سألا عَن المجد والمعروف أين همافقلت إنهما ماتا مع الحكم
ماتا مع الرجل الموفى بذمتهيوم الحفاظ إذا لم يوف بالذمم
ماذا بِمَنبِجَ لَو تُنبَش مَقابِرُهامِنَ التَهَدُّمِ بِالمَعروفِ وَالكَرَمِ
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المهاجر حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن موسى السمري عَن حماد بْن إِسْحَاق ابن إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قِيلَ لِلْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ مَا بَقِيَ مِنْ لَذَّتِكَ قَالَ الإِفْضَالُ عَلَى إلإِخْوَانِ قِيلَ فَمَنْ أَحْسَنُ النَّاسِ عَيْشًا قَالَ مَنْ عَاشَ بِعَيْشِهِ غَيْرُهُ قِيلَ فَمَنْ أَسْوَأُ النَّاسِ عَيْشًا قَالَ مَنْ لا يَعِيشُ بِعَيْشِهِ أَحَدٌ
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع