من «روضة العقلاء ونزهة الفضلاء» لابن حبان البستي (ت ٣٥٤هـ)
ذكر الحث على إعطاء السؤال وطلب المعالي
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ الطَّبَرِيُّ بِالصَّيْمَرَةِ حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاءِ الْهَمَدَانِيُّ حَدَّثَنَا مُصْعَبُ بْنُ الْمِقْدَامِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ مَا سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ شَيْئًا قَطُّ فَقَالَ لا وَلا ضَرَبَ بِيَدِهِ شَيْئًا قَطُّ
قال أَبُو حاتم رضي الله عنه إني لأستحب للمرء طلب المعالي من الأخلاق مع ترك رد السؤال لأن عدم المال خير من عدم محاسن الأخلاق والندامة موكلة بترك معالجة الفرصة وإن الحر حق الحر من أعتقته الأخلاق الجميلة كما أن أسوأ العبيد من استعبدته الأخلاق الدنية ومن أفضل الزاد في
المعاد اعتقاد المحامد الباقية ومن لزم معالي الأخلاق أنتج له سلوكها فراخا تطير بالسرور
ولقد حدثني مُحَمَّد بْن سَعِيد القزاز حَدَّثَنَا هارون بْن صدقة القاضي حدثنا المسيب بن واضح يقول سمعت يُوسُف بْن أسباط يقول ما كان المال مذ كانت الدنيا أنفع منه في هذا الزمان
وأنشدني مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن زنجي البغدادي
بادر هواك إذا هممت بصالحخوف العوائق أن تجيء فتغلب
وإذا هممت بسيء فتعدهوتجنب الأمر الذي يتجنب
قال أَبُو حاتم رضي الله عنه مَا ضاع مال ورث صاحبه مجدا ولولا المتفضلون مات المتجملون وليس يستحق المرء اسم الكرم بالكف عَن الأذى إلا أن يقرنه بالإحسان إليهم فمن كثر في الخير رغبته وكان اصطناع المعروف همته قصده الراجون وتأمله المتأملون ومن كان عيشه وحده ولم يعش بعيشه غيره فهو وإن طال عمره قليل العمر والبائس من طال عمره في غير الخير ومن لم يتأس بغيره في الخير كان عاجزا كما أن من استحسن من نفسه مَا يستقبحه من غيره كان كالغاش لمن تجب عَلَيْهِ نصيحته ومن لم يكن له همة إلا بطنه وفرجه عد من البهائم والهمة تبلغ الرتبة العالية لأن الناس بهمتهم
ولقد حَدَّثَنَا عمرو بْن مُحَمَّد الأَنْصَارِيُّ حَدَّثَنَا الْغَلابِيُّ حَدَّثَنَا ابْنُ عائشة قَالَ قَالَ عُبَيْد اللَّه بْن زياد بْن ظبيان كان لي خال من كلب فكان يقول لي يا عُبَيْد اللَّه هم فإن الهمة نصف المروءة
وأنشدني مُحَمَّد بْن إِسْحَاق الواسطي
قد بلونا الناس في أخلاقهمفرأيناهم لذي المال تبع
وحبيب الناس من أطمعهمإنما الناس جميعا بالطمع
حدثنا عمر بْن حفص البزار بجنديسابور حَدَّثَنَا إِسْحَاق بْن الضيف
حَدَّثَنَا الحسن بْن واقع الرملي حَدَّثَنَا ضمرة بْن ربيعة قَالَ سمعت كديرا أبا سليمان الضبي يقول كان لقصر إِبْرَاهِيم الخليل ﷺ ثمانية أبواب من حيث جاء السائل أعطى
حدثنا مُحَمَّد بْن أَحْمَد الرقام بتستر حَدَّثَنَا إِسْحَاق بْن الضيف حَدَّثَنَا أَبُو مسهر حَدَّثَنَا سَعِيد بْن عَبْد العزيز أن الحسن بْن علي بْن أَبِي طالب رضي الله عنهم سمع رجلا إلى جنبه يسأل اللَّه أن يرزقه عشرة آلاف درهم فانصرف فبعث بها إليه
وأنشدني الكريزي
لا تحقرن صنيع الخير تفعلهولا صغير فعال الشر من صغره
فلو رأيت الذي استصغرت من حسنعند الثواب أطلت العجب من كبره
سمعت أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه اليماني يقول سمعت صالح بْن آدم يقول أنشد إنسان عند عَبْد اللَّه بْن جعفر هذين البيتين
إِنَّ الصَنيعَةَ لا تَكونُ صَنيعَةًحَتّى يُصابَ بِها طَريقُ المَصنَعِ
فإذا صنعت صنيعة فاعمد بهالله أو لذوي القرابة أودع
فقال عَبْد اللَّه بْن جعفر إن هذين البيتين يبخلان الناس ينبغي لمن عمل بهذا أن يدعو لمن طلب حاجة بالبينة بل تبث الصنائع ويرمى بها مواضع القطر حيث حلت وفي مثله يقول العتابي
له في ذوي المعروف نعمى كأنهمواقع ماء القطر في البلد القفر
إذا مَا أتاه السائلون لحاجةعلته مصابيح الطلاقة والبشر
حدثنا أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن سَعِيد القيسي حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن مسروق حدثني ابن أَبِي سَعِيد عَن شيخ له قَالَ رأيت ابن المبارك يعض يد خادم له فقلت له تعض يد خادمك قَالَ كم آمره أن لا يعد الدراهم على السؤال أقول له احث لهم حثوا
حَدَّثَنَا عمرو بْن مُحَمَّد حَدَّثَنَا الغلابي حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْن القاسم عَن أبيه قَالَ قَالَ إِبْرَاهِيم بْن أَبِي البلاد حدثني أخي قَالَ رأيت الحجاج بمنى في عمله على العراق وقام إليه رجال من أهل الحجاز يسألونه فقال توهمتم بنا أنا بغير بلادنا وما لكم مترك من ههنا من أهل العراق فقام إليه تجار أهل العراق فقال هل من سلف فقالوا نعم فحملوا إليه ألف ألف درهم فقسمها فلما قدم العراق ردها وأكثر ظني أنها ومثلها معها
قال أَبُو حاتم رضي الله عنه الواجب على العاقل أن يبدأ بالصنائع والإحسان الأفرض فالأفرض يبدأ بأهل بيته ثم بإخوانه وجيرانه ثم الأقرب فالأقرب ويتحرى المعروف والإحسان في أهل الدين والعلم منهم ويجتنب ضد مَا قلنا لأن مثل من لم يفعل مَا أومأنا إليه كما أنشدني الحسين بْن أحمد البغدادي
تصول على الأدنى وتجتنب العداوما هكذا تبنى المكارم يا يحيى
فكنت كفحل السوء ينزو بأمهويترك باقي الخيل سائمة ترعى
وأنشدني البسامي
وكنت كمهريق الذي في سقائهلرقراق ماء فوق رابية صلد
كمرضعة أولاد أخرى وضيعتبني بطنها هذا الضلال من القصد
قال أَبُو حاتم رضي الله عنه العاقل يبتديء بالصنائع قبل أن يسأل لأن الابتداء بالصنيعة أحسن من المكافأة عليها والإمساك عَن التعرض خير من البذل والصنائع إنما تحسن بإتمامها والتحافظ عليها بعدها لأن بصلاح الخواتم تزكو الأوائل والعطية بعد المنع أجمل من المنع بعد العطية والناس في الصنائع على ضربين شاكر وكافر ولقد أنشدني بعض إخواننا
وما الناس في حسن الصنيعة عندهموفي كفرهم إلا كبعض المزارع
.. فمزرعة طابت وأضعف ريعهاومزرعة أكدت على كل زارع
وأنشدني مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه البغدادي
ومن يضع المعروف في غير أهلهيكن ضائعا في غير حمد ولا أجر
وحسب أمريء من كفر نعمى جحودهاإذا وقعت عند امريء غير ذي شكر
وأنشدني مُحَمَّد بْن إِسْحَاق الواسطي
لعمرك مَا المعروف في غير أهلهوفي أهله إلا كبعض الودائع
فمستودع ضاع الذي كان عندهومستودع مَا عنده غير ضائع
قال أَبُو حاتم رضي الله عنه الهمج من الناس إذا أحسن إليه يرى ذلك استحقاقا منه له ثم يرى الفضل لنفسه على المحسن إليه فلا يحمد عند الخير ولا يشكر عند البر ويتعجب ممن يشكر ويذم من يحمد وإذا امتحن العاقل بمثل من هذا نعته استعمل معه مَا أنشدني الكريزي
إن ذا اللؤم إذا أكرمتهحسب الإكرام حقا لزمك
فأهنه بهوان إنهإن تهنه بهوان أكرمك
وأنشدني الأبرش
إذا أوليت معروفا لئيمايعدك قد قتلت له قتيلا
فكن من ذاك معتذرا إليهوقل إني أتبتك مستقيلا
فإن تغفر فمجترمي عظيموإن عاقبت لم تظلم فتيلا
ولست بعائد أبدا لهذاوقد حملتني حملا ثقثيلا
قال أَبُو حاتم رضي الله عنه أهنا الصنائع وأحسنها في الحقائق وأوقعها بالقلوب وأكثرها استدامة للنعم واستدفاعا للنقم مَا كانت خالية عَن المنن في البداءة والنهاية متعرية عن الأمتنان وهو الغاية في الصنيعة والنهاية في الإحسان
ولقد أنشدني مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه البغدادي
أحسن من كل حسنفي كل وقت وزمن
صنيعة مربوبة خالية من المنن ...
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ غَدَّارِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْحَارِثِيُّ بِالْبَصْرَةِ حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ زَادَوَيْهِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الدَّوَاهِي عَنْ أَبِيهِ قَالَ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه
مَا أَحْسَنَ الدُّنْيَا وَإِقْبَالَهَاإِذَا أَطَاعَ اللَّهَ من نالها
من لم يواس النَّاسَ مِنْ فَضْلِهَاعَرَّضَ للإِدْبَارِ إِقْبَالَهَا
فَاحْذَرْ زَوَالَ الْفَضْلِ يَا حَائِرًاوَاعْطِ مِنَ الدُّنْيَا لِمَنْ سَالَهَا
فَإِنَّ ذَا الْعَرْشِ سَرِيعُ الْجَزَايُخْلِفُ بِالْحَبَّةِ أَمْثَالَهَا
حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُهَاجِرِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْن أَحْمَد بْن النضر المعنى حدثني سَعِيد حدثني أبوك - يعني أباه أَحْمَد بْن النضر - قَالَ كان بالكوفة قوم من العرب فأصابت رجلا منهم حاجة فكان عياله يغزلون ويبيعون وكان يشركهم فقالوا لا تعود علينا بشيء وما نكسب تشركنا فيه فأنف من قولهم فخرج يؤم بغداد ولم يدخل بغداد قبل ذلك وليس له حميم ولا قريب بها فدخلها ومر على وجهه فمر على باب يعقوب بْن داود كاتب المهدي فرأى قوما جلوسا عليهم بزة فقال مَا أخلق هؤلاء دعوا إلى وليمة لو دخلت معهم لعلي أصيب شبعة فاندس معهم فخرج الإذن فقال ادخلوا فدخلوا إلى دار قوراء كبيرة وإذا بهو في صدر الدار فجلسوا في البهو يمنة ويسرة وأخلوا الصدر فجاء يعقوب فسلم عليهم وقعد ثم قَالَ يا غلام هات فجاء بصوان عليها مناديل مغطى بها وإذا فيها أكياس فقال أعطهم فوضعوا في حجر كل رجل مهم كيسا ووضعوا في حجري كيسا حتى فرغ منهم ثم قَالَ أعد عليهم فوضع في حجر كل رجل منهم كيسا ووضعوا في حجري كيسا حتى والى بين خمسة أكياس ثم قَالَ قوموا مبارك لكم وقد تعينه الخدم وليس
له عندهم اسم ولم يعرفوه فلما بلغ الدهليز ربطوه فصاح وصاحوا وسمع يعقوب الصوت فقال مَا هذا فقالوا رجل دخل مع هؤلاء القوم لا نعرفه فقال علي به فقال له يا عَبْد اللَّه مَا أدخلك هذه الدار فقص عليهم القصة والسبب الذي دخل له فقال له من أين أنت قَالَ من أهل الكوفة قَالَ من يعرفك بالكوفة قَالَ يعرفني فلان وفلان فسمى له قوما يعرفهم فقال خلوا عَن الرجل إنا كاتبون إلى هؤلاء القوم فإن كان الأمر على مَا ذكرت فتعال كل سنة في هذا الوقت ولك عندنا مثل هذا وكتب إلى القوم فسألهم فكتبوا بمعرفته فكان يجيء أيام حياته فيأخذ خسمة آلاف وينصرف
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع