من «الكتاب» لسيبويه (ت ١٨٠هـ)
هذا باب الفاعل الذي يَتعَّداهُ فعلُه إلى مفعولين فإن شئت اقتصرتَ على المفعول الأول وإن شئت تعدّى إلى الثاني كما تعدى إلى الأول
وذلك قولك: أعطَى عبدُ الله زيداً درهماً، وكسوتُ بشراً الثَّيابَ الجيادَ. ومن ذلك: اخترتُ الرجاَل عبدَ الله، ومثل ذلك قوله عز وجل: " واختار موسى قومه سبعين رجلا "، وسميته زيداً، وكسيت زيداً أبا عبد الله، ودعوته زيداً إذا أردت دعوته التي تجري مجرى سميته، وإن عنيت الدعاء إلى أمر لم يجاوز مفعولا واحداً. ومنه قول الشاعر:
أسْتغفِرُ الله ذَنْباً لستُ مُحْصِيةَربَّ الِعبادِ إليه الوجْهُ والعَملُ
وقال عمرو بن معدٍ يكَرِب الزُّبيدىّ:
أَمَرتْكُ اَلخيَر فافْعَلْ ما أُمِرتَ بهفقد تركتُكَ ذا مالٍ وذا نَشَبِ
وإنما فُصِلَ هذا أنَّها أفعالٌ تُوصَلُ بحروفِ الإضافة، فتقولُ: اخترتُ فلاناً من الَّرجالِ، وسمّيته بفلان، كما تقول: عرّفتُه بهذه العلامة وأوضحتهُ بها، وأستغفِرُ الله من ذلك، فلمَّا حذفوا حرَف الجر عَمِلَ الفعلُ. ومثل ذلك قول المتلمَّس:
آلْيتَ حَبَّ العِرَاقِ الدَّهْرَ أَطعمُهُوالحبُّ يأكله في القرية السوس
يريد: على حَبَّ العراق.
وكما تقول: نُبَّئتُ زيداً يقول ذاك، أي عن زيد. وليست عن وعلى ههنا بمنزلة الباء في قوله: " كفى بالله شهيدا "، وليس بزيد؛ لأنَّ عن وعلى لا يفعَلُ بها ذاك، ولا بمنْ في الواجب.
وليست أستغفِرُ الله ذنباً وأمرتك الخيَر أكثرَ في كلامهم جميعاً، وإنَّما يَتكلّم بها بعضهم. فأمَّا سمَّيتُ وكنّيت فإنما دخلتْها الباءُ على حدّ ما دخلتْ في عرّفتُ، تقول عرّفتُه زيداً ثم تقول عرّفته بزيد، فهو سوى ذلك المعنى، فإنما تَدخل في سمَّيت وكنَّيت على حدّ ما دخلتْ في عرّفُته بزيد. فهذه
الحروفُ كان أصلُها في الاستعمال أن توصل بحرف الإضافة.
وليس كل الفعل يُفعَلْ به ذها، كما أنه ليس كلُّ فعل يتعدَّى الفاعلَ ولاَ يَتعدَّى إلى مفعولين. ومنه قول الفرزدق:
منّاَ الذي اختِيرَ الرَّجالَ سَماحةًوجُوداً إذا هَبَّ الرياحُ الزّعازِعُ
وقال الفرزدق أيضاً:
نبئتُ عبدَ اللهِ بِالجَوّ أَصْبَحَتْكِراماً مَوَالِيها لَئِيماً صميمهُا
النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة بتحقيق عبد السلام محمد هارون، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع