تجاوز إلى المحتوى

من «نقد الشعر» لقدامة بن جعفر (ت ٣٣٧هـ)

الترصيع

ومن نعوت الوزن الترصيع، وهو أن يتوخى فيه تصيير مقاطع الأجزاء في البيت على سجع أو شبيه به أو من جنس واحد في التصريف، كما يوجد ذلك في أشعار كثير من القدماء المجيدين من الفحول وغيرهم، وفي أشعار المحدثين المحسنين منهم.

فمما جاء في أشعار القدماء قول امرئ القيس الكندي:

مِخَشٍّ مِجَشٍّ مُقْبل مُدْبِرٍ معاًكَتَيْسِ ظِبَاءِ الحُلَّبِ العَدْوَانِ

فأتى باللفظتين الأوليين مسجوعتين في تصريف واحد، وبالتاليتين لهما شبيهتين بهما في التصريف، وربما كان السجع ليس في لفظة لفظة، ولكن في لفظتين لفظتين بالوزن نفسه كقوله:

ألصُّ الضُّروُسِ حَنِىُّ الضُّسسلُوعِتَبُوعٌ طلوبٌ نَشِيطٌ أشِرْ

وفي قصيدة أخرى سجع في لفظتين لفظتين بالحرف نفسه مثل قوله:

وَأَوْتَادُهُ مَاذِيَّةٌ وَعَمِادُهُرُدَيْنِيَّةٌ فيها أَسِنَّةُ قَعْضَبِ
للشاعر الفروسية، من قصيدة «خليلّي مرّ بي على أم جندب»

وقال زهير بن أبي سلمى:

كبْداءُ مُقْبِلَةٌ وَرْكَاءُ مُدْبِرَةقَوْدَاءُ فيها إذا اسْتَعْرَضْتَهَا خَضَعُ
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «لقد لحقت بأولى الخيل تحملني»

فأتى بفعلاء مفعلة تجنيساً للحروف بالأوزان: وقال أوس بن حجر:

جُشَّا حَنَاجِرُها عُلْماً مَشَافِرُهَاتَسْتَنُّ أَوْلادُهَا في دَحْضِ أَنْضَاحِ

وقال طرفة:

بطَئٍ عَنِ الْجُلِّى سَرِيعٍ إلى الْخَنَاذَلُولٍ بأَجْمَاعِ الرِّجَالِ مُلَهَّدِ

وقال عمرو بن أحمر الباهلي:

فَمِثْلُكِ أَلْوَى بِالفُؤَادِ وَزَارَ بالعِدَادِ وأَصْحَى فِي الْحَيَاةِ وأَسْكَرَا
للشاعر عمرو الباهلي، من قصيدة «فمثلك ألوى بالفؤاد وزار بالعداد»

وقال النمر بن تولب:

مِنْ صَوْبِ سَارِيَةِ عَلَّتْ بغَاديَةٍتَنْهَلُّ حتى يَكَادُ الصُّبْحُ يَنْجَابُ
للشاعر النمر بن تولب، اقرأ القصيدة

وقال:

طَويلُ الذِّرَاعِ قَصِيرُ الْكِراع يُوَاشِكُ في السَّبْسَبِ الأَغْبَرِ
للشاعر النمر بن تولب، اقرأ القصيدة

وقال اللعين المنقري:

مَكيثٌ إذَا اسْترخَى كَمِيش إذا انْتَحَىعلى القرب الأَقْصَى، وشَدَّ له الأَزْرَا

وقال الأسود بن يعفر:

هم الأُسْرَةُ الدُّنْيَا وَهُمْ عدَدُ الْحَصَىوإخْوَانُنا من أُمِّنا وأبينَا
للشاعر الأسود النهشلي، من قصيدة «ألا يا أسلمي قبل الفراق ظعينا»

وقال أبو زبيد الطائي:

غَيْرُ فاشٍ شَتْماً ولا مُخْلِفٍ طَعْماً إذَا كَانَ بالسَّدِيفِ السَّبِيكِ
للشاعر أبو زبيد الطائي، اقرأ القصيدة

وقال آخر:

قامُوا فَجَاءُوا بِفَكَّاكِ الْعُنَاةِ ومِعْطَاءِ الجزِيل ومأَوى كلِّ مَلْهُوفِ

وقال الأفوه الأودي:

سُودٌ غَدَائِرُها بُلْجٌ مَحَاجِرُهَاكأنَّ أْطَرَافَهَا لَمَّا اجْتَلَى الطَّنَفُ
للشاعر الأفوة الأودي، من قصيدة «منا مُسافٍ يُسافي الناس ما يسروا»

وقال العجير بن عبد الله السلولي

حُمّ الذَّرى مرسلة منه العرىوزَجَلات الرَّعْد في غيْر صَعَقْ
للشاعر العجير السلولي، اقرأ القصيدة

وقال سليك بن سلكة:

إذَا أَسْهَلَتْ خَبَّتْ وإن أحْزَنَتْ مَشَتْوتغشى بها بين البُطُونِ وتصدف
للشاعر السليك بن السلكة، من قصيدة «إذا أسهلت خبت وإن أحزنت مشت»

وقال الشماخ:

رَعَيْنَ النَّدَى حَتَّى إذَا وَقَدَ الْحصَىولم يَبْقَ من نَوْءِ السَّمَاك يُرُوق
للشاعر الشماخ الذبياني، من قصيدة «نظرت وسهب من بوانة بيننا»

وقال عبيد الراعي:

ضِعَافُ الْقُوى لَيْسُوا كَمَنْ يَبْتَنِى العُلَى جَعَاسِيس قَصَّارُونَ دُونَ المَكَارِمِ

وقال أيضاً:

سُودٌ مَعَاصِمُهَا جُعْدٌ مَعَاقِصُهاقَدْ مَسَّها من عَقِيدِ الْقَارِ تَفْصِيلُ
للشاعر الراعي النميري، من قصيدة «طاف الخيال بأصحابي فقلت لهم»

وقال بشامة بن عمرو بن الغدير:

هَوَانَ الْحَيَاة وخِزْىَ المَمَاتِوَكُلاً أرَاهُ طعَاماً وَبِيلا

وقالت ليلى الأخيلية: وقَدْ كان مَرْهُوبَ السِّنانَ وَبَيَّنَ الل - سان ومِجْذَامَ السُّرَى غيْرَ فاتِرِ وقال ناهض بن ثومة الكلابي:

صَخُوب الصَّدَى ظمْأَى القطامرَّة السرىرَكا ماءَها بين النعام الخرائش

وأكثر الشعراء المصيبين من القدماء والمحدثين قد غزوا هذا المغزى ورموا هذا المرمى، وإنما يحسن إذا اتفق له في البيت موضع يليق به، فإنه ليس في كل موضع يحسن، ولا على كل حال يصلح، ولا هو أيضاً إذا تواتر واتصل في الأبيات كلها بمحمود، فإن ذلك إذا كان، دل على تعمل وأبان عن تكلف.

على أن من الشعراء القدماء والمحدثين من قد نظم شعره كله أو إلى بين أبيات كثيرة منه منهم أبو صخر الهذلي، فإنه أتى من ذلك بما يكاد لجودته أن يقال فيه إنه غير متكلف، وهو قوله:

وتلك هَيْكَلَةٌ خَوْدٌ مُبَتَّلةٌصفْرَاءُ رَعْبَلَةٌ في مَنْصِبٍ سَنِمِ
عذْبٌ مُقْبَّلُهَا جَدْلٌ مُخَلْخَلُهَاكالدِّعْصِ أَسْفَلُهَا مخْصُورةُ الْقَدمِ
سُودٌ ذَوَائِبُهَا بِيضٌ تَرَائِبُهَامحْضٌ ضَرَائِبُهَا صِيغَتْ عَلَى الْكَرمِ
عبْلٌ مُقَيَّدُها حَالٍ مَقَلَّدُهَابضٌّ مُجَرَّدُهَا لَفَّاءُ في عَمَمِ
سمْحٌ خَلائِقُهَا دُرْمٌ مَرَافِقُهَايَرْوَى مُعانِقُهَا من بارِدِ الشَّبمِ
كأنَّ مُعْتَقَةً في الدَّنِّ مُغْلَقَةًصَهْبَاءَ مُصْفَقَةً مِنْ رَابئٍ رَذِمِ
شيِبَتْ بِمَوْهَبَةٍ من رأَسِ مَرْقَبةٍجَرْدَاءَ مَهْيَبَةٍ في حَالِقِ شَمَمِ
خالَطَ طَعْمَ ثَنَايَاهَا ورِيقتهاإذا يكون تَوالى النَّجْم كالنُّظُمِ

ومنهم أبو المثلم فإنه قال:

لو كان للدَّهْرِ مالٌ كان متُلْدهلكان للدَّهْرِ صَخْرٌ مالَ قُنْيَانِ
للشاعر أبو المثلم الهذلي، من قصيدة «لو كان للدهر مال عند مُتلده»
آبِى الْهَضِيمَةِ نَابٍ بالعَظَيمَةِ مِتلافُ الكَرِيمَةِ لا سِقْطٌ ولا وانِى
للشاعر أبو المثلم الهذلي، من قصيدة «لو كان للدهر مال عند مُتلده»
حامِى الحقيقةِ نَسَّالُ الْوَدِيقَةِ مِعْتَاقُ الوَسِيقَةِ جَلْدٌ غَيْرُ ثُنْيَانِ
للشاعر أبو المثلم الهذلي، من قصيدة «لو كان للدهر مال عند مُتلده»
رَبّاءُ مَرْقَبَةٍ مَنَّاعُ مَغْلَبةٍوَهَّابُ سَلْهَبَةٍ قَطَّاعُ أَقْرَانِ
للشاعر أبو المثلم الهذلي، من قصيدة «لو كان للدهر مال عند مُتلده»
هَبَّاطُ أوْدِيَةٍ حَمَّالُ ألْوِيَةشَهَّادُ أَنْدِيَةٍ سِرْحَانُ فِتْيَانِ
للشاعر أبو المثلم الهذلي، من قصيدة «لو كان للدهر مال عند مُتلده»
يُعْطيكَ مَا لا تكادُ النَّفْسُ تُرْسِلُهُمِنَ التِّلادِ وَهُوبٌ غَيْرُ مَنَّانِ
للشاعر أبو المثلم الهذلي، من قصيدة «لو كان للدهر مال عند مُتلده»

ومثل ذلك للمحدثين أيضاً كثير.

وإنما يذهبون في هذا الباب إلى المقاربة بين الكلام بما يشبه بعضه بعضاً، فإنه لا كلام أحسن من كلام رسول الله ﷺ وآله وسلم، وقد كان يتوخى فيه مثل ذلك، فمنه ما روى عنه ﵇ من أنه عوذ الحسن والحسين ﵉ فقال: أعيذهما من السامة والهامة وكل عين لامة وإنما أراد ملمة، فلا تباع الكلمة أخواتها في الوزن، قال: لامة.

وكذلك ما جاء عنه صلى اله عليه وسلم، أنه قال: خير المال سكة مأبورة ومهرة مأمورة، فقال: مأمورة من أجل مأبورة والقياس: مؤمرة.

وجاء في الحديث: يرجعن مأزورات غير مأجورات. وإذا كان هذا مقصوداً له في الكلام المنثور، فاستعماله في الشعر الموزون أقمن وأحسن.

النص من طبعة مطبعة الجوائب بالقسطنطينية (١٣٠٢هـ)، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من النعوت

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.